PDA

View Full Version : قبض الفلسطينيون من القذافي ومدحوا السعودية!



memo
22-11-2011, 11:32
منذ عقود خلت ونحن نسمع من الثوريين في العالم أن أخطر ما يقُوض حركات المقاومة والثورة (طبعاً في أوساط الفلسطينيين حالة لم ترتق إلى ثورة، ولا أعتقد انها ستفعل بعد) هو المال. وسمعنا ورأينا أن المقاومة الفلسطينية هي أغنى "ثورة" في العالم[1]. وأنها كانت تُقرض دولاً، وأن ما بقي منها هو استثماراتها في إفريقيا خاصة وليس الكفاح المسلح[2] بِيعَ السلاح وبقي المال ولم يأت السلام فما بالك بالعودة. سمعنا من الفلسطينيين والعرب المغتربين في شتات الأميركيتين عن أموال طائلة جمعها ممثلون للمقاومة ولم تظهر لها آثاراً. وعلى هذه الأرضية صار التموُّل، من اي مصدر، امراً طبيعياً، بل ابتكاراً فلسطينياً[3]. تمول يبدأ من الراس إلى أخمص القدمين. وتشعب الأمر ليصل المواطن العادي، فصار بيع الموقف والذات من أجل الفلوس أمراً عاديا ولا خجل منه. ألا يسري التطبيع اليوم في دماء الكثيرين/ات فهو تطبيع بالمال؟

رحم الله فرانس فانون كيف التقط إشكالية الدونية عند بعض السود، لكنه لم يلتقط إشكالية القبض عند بعض العرب! هذه التقطتها الإمبريالية والصهيونية. في الأرض المحتلة تسود اليوم إيديولوجيا: إدفع لي يا سيدي وخذ الوطن، ولكن ارجوك لا تعلن ذلك! وتحت لا تعلن ذلك يكون الاختراق. في هذه الأرض التي يزعمون أنها مقدسة، صار القبض مصدر دخل بل حتى مفخرة بأعلى معدل نمو!!! فلينتحر الاقتصاد السياسي! اميركا تدفع والاتحاد الأوروبي يدفع واليابان تدفع وخليج النفط المتآكل بالحتِّ يدفع، والأنجزة تدفع. وتطرأ على جسد الوطن حالات من الطفح: قيادات ومثقفون ومراكز أبحاث وشعراء وكتاب ومسرحيون وأكاديميون تبذخ بمال لم تنتجه الأرض اليباس هنا؟ الأسود يقبض والأبيض يقبض ونصف الأبيض يقبض؟ ولم يعد السؤال لماذا يقبض بل لماذا يُدفع له؟ والويل لك إن ذكرت اسم قابض أو قابضة! فهذا حرام محرم.

كانت ليبيا القذافي بركة مال يغرق منها الفلسطينيون. وهذه من أخطر أعمال هذا الرجل بل جرائمه. ولكن ما دفعني للكتابة عن هذا الأمر مسألتان:

الأولى: أُغتيل الرجل من الناتو وجرى تسليمه للعوام. لم يقدم التعزية فيه اي تنظيم فلسطيني سوى تنظيم السيد أحمد جبريل، بل يتضح يوما بعد يوم ان فلسطينيين شاركوا في ثورة الناتو. ما دفعني للكتابة اقوال كبير الإعلاميين الليبيين مساء 23 اكتوبر على قناة الرأي حيث قال إن الليبيين جاهدوا في فلسطين منذ 1948 وأن القذافي كان يدفع لهم بسخاء، ولكنهم لم يقدموا حتى التعزية، ما خلا أحمد جبريل!

والثانية: تسابق القيادات الفلسطينية بإسلاميها السياسَِيَْْين الشيعي والسني والمنظمات العلمانية على التعزية بولي العهد السعودي. ولن اكتب ما هي السعودية لأن من لا يعرف هذا النظام فهو مصاب بأكثر من العمى[4]. وتسابقوا جميعاً خاصة فضائيات المقاومة على التشفي بالقذافي تماماً، والأسف، كما فعلت السيدة كلينتون (استمعوا للتسجيل[5]) هل السبب ثورية السعودي أم أمواله؟ أم أخطر: وهو الحفاظ على خيط معين مقصود تمويهه ولكن بقائه، خيط مع الولايات المتحدة بمعنى: "نحن كما تريدوننا ذات يوم". إنها جينات الدونية والذل للأبيض خطابا وسلاحا. مرة أخرى يحضرك فرانس فانون بقوة.

وهناك ملاحظة أو سبب آخر لهذه المقالة. كتبت قبل شهر تقريبا ملاحظة كردٍ على مقالة للأستاذ فهمي هويدي متعلقة بنقد من قِبَله ضد العقيد معمر القذافي، وليس هذا المهم بل ولصالح ثوار الناتو (ولست أدري كيف يكتب هذا الرجل عن الديمقراطية والإسلام في صحيفة تصدر في قطر، حيث الجزيرة والسيلية والعديد). كانت ملاحظتي إن كان حين زار ليبيا بدعوة من النظام أم لا. وقلت حينها إنني اسأل هذا السؤال من اجل أمر سأكتب عنه لاحقاً (أنظر أدناه). كنت متأكداً أن القذافي لن ينتصر على الناتو، ولكنني لم أتوقع أن يُقتل بهذه السرعة.

ليس هذا موضوع الحديث، وليس كذلك نقاشاً في تاريخ الرجل، ولا في ليبيا اليوم وقد غدت قاعدة للأطلسي باسم تطبيق الشريعة الإسلامية. ومن ليبيا سيعود العرب خدماً وقراصنة في افريقيا مطايا تحت هيلاري كلينتون. مسكين ايها الدين!!! وهنا أصر أنها ستكون بوابة عريضة لتدمير إفريقيا ناهيك عن الوطن العربي لصالح النظام الراسمالي العالمي. ومعذرة لمن لا يحللون على أرضية الاقتصاد السياسي فليذهبوا ويقرأوه. أتركوا هذا للزمن.

ما أود التعريج عليه هو امر مختلف. كنت أتمنى لو أن الوقت اسعف الرجل ليقدم كشف حساب سواء كمعتقل أو كمنتصر، كشف حساب بمن دفع لهم سواء تحت تبرير نضالي أو كرشوات. والان وقد قُتل، وبغض النظر عن الطريقة، فقد حمى سمعة فيالق من الفلسطينيين والعرب الذين كانوا يحجون إلى خيمته كي يرتشون. وكثيرون منهم كتبوا ضده ما ان بدأ الأطلسي ضرباته لليبيا، ناهيك عن من يكتبون الآن بعد مصرعه.

أخص بالذكر هنا الفلسطينيين. هل هناك منظمة فلسطينية لم تنهب من أموال ليبيا عن طريق القذافي؟ اين ذهبوا بهذه الأموال؟ كان الرجل مريضا بالشهرة والسمعة، نعم، ولكن ماذا عن الثوريين الذين كانوا يسألوه دوما تحت واجبه من أجل فلسطين؟ في فضائياتهم اليوم يهنئون ثوار الناتو والشعب الليبي؟ تهنئة في غير مكانها. فلا الثوار ثواراً، ولن يدفعوا لكم لأن ثروة ليبيا الآن في ايدي من "حرروا" ليبيا. اما الشعب الليبي فالله في عونه، وسترون.

ما كنت أريد قوله للسيد فهمي هويدي ، وللإعلامي الليبي الذي يعتب على فلسطينيين هو التالي:

عشت في بريطانيا منذ اكتوبر 1984 وحتى أكتوبر 1987 فترة دراسة الدكتوراة. وعملت من اليوم الأول حتى الأخير في جريدة العرب التي ما تزال تصدر هناك. كان رئيس تحريرها ومالكها المرحوم أحمد الهوني، والذي كان وزير ثقافة في عهد السنوسي. كان يكره القذافي جدا، ولكنه كان يخشاه وبالتالي كان ينشر عنه ما هو جيداً.

كنت محررا اقتصاديا لتلك الجريدة وكنت اكتب في السياسة وغيرها. ذات يوم جاء صديق فلسطيني كان يعمل في الصحافة وقال لي:

الليبيون يريدون اللقاء بك.

قلت: لماذا؟

قال: يريدون شخصا موثوقاً ليقيم مؤسسة تنموية في الأرض المحتلة؟

قلت: ولكن أنا لم امدح النظام الليبي بكلمة واحدة ولا اي نظام عربي، فكيف أكون موثوقاً لديهم! البلد الوحيد الذي رغبت زيارته باسم الجريدة هو اليمن الجنوبي وصاحب الجريدة رفض.

قال: مش مهم، المهم أنهم سألوا عنك وقرأوا ما تكتب وهم على استعداد لدفع 8 مليون استرليني لتقيم مؤسسة تنموية في الأرض المحتلة. ولا يريدون اي قيد ولا حتى أن تذكر الجماهيرية ولو بكلمة.

قلت: هناك المنظمات الفلسطينية وكلها تزور القذافي وتقبض منه، لماذا لا يطلب منهم ذلك؟

قال: هو يعرف أنهم يقبضون وينفقون ولا يثق بهم.

قلت: ولكن يا سيدي التنمية لا تقوم بالمال، التنمية تقوم بالناس والحماية الشعبية للتنمية. لن ألتقي احدا، ولن أقبض درهماً فالتنمية إذا بدأت بالتمويل سوف تنتهي بالفساد.(وكأنني كنت آنذاك أرى صورة الأرض المحتلة اليوم حيث بيعت القضية بمليارات لم يبق منها قطميراً).

طبعاً الرجل الذي عرض علي ذلك، لم اسمع أنه رحل، واعتقد انه سيقرأ هذا الحديث. منذ تلك اللحظة وحتى اللحظة، دوماً كنت اسأل نفسي، كم من هؤلاء الفلسطينيين الذين يعملون في الثقافة والسياسة كان سيرفض هذا العرض! وحتى اليوم اسال: ترى كم ممن ينهشون جثة الرجل اليوم لم يقبضوا منه سواء مباشرة أو لا مباشرة؟ ومن لم يقبض منه قبض من غيره، مال حلال. كم من مراكز ما تسمى التنمية كان سيرفض هذا المال بينما هو اليوم ينخ ويركع على ابواب كافة القنصليات ومراكز التمويل، ويزعم أنه يقوم بالتنمية عبر نشر أعمال تنم عن فقر عقلي وليس فقط معرفي. ورغم فقرها، يُدفع للكتاب رشوات وليس أتعاباً! هل كان من يقبض من الغرب سيتعفف عن القبض من القذافي؟

فالفساد ايها المثقفين هو الفساد سواء بقبض الملايين أو الملاليم.

وعام 1985 وأنا ما زلت في لندن اتصلت بي السيدة ريموندا الطويل قبل أن يتزوج أبو عمار ابنتها:

كيف حالك، أنا اتحدث من تونس وجلست مع الختيار وقال لي أن لك مبلغ 25 ألف استرليني، أعطني رقم حسابك.

ضحكت وحزنت وقلت، ولكن لماذا يا ريموندا، فأنا أدرس للدكتوراة ووضعي إذن افضل من اوضاع 95 بالئة من الشعب الفلسطيني، أنا اشتغل مئة شغلة هنا. (وبالطبع كلها كانت دون تصريح ). وقلت في نفسي فلوس ابو عمار من القذافي، فالملايين المباشرة افضل من آلاف عن طريق وسيط!

قالت، أنت تدرس ولانك اعتقلت أنت وأمك وإخوتك وهدم بيتك وبيت اهلك...الخ.

قلت سأرسل لك رسالة اعطني عنوانك.

كتبت لها رسالة ووضعت نسخة منها عند السيدة حميدة القاضي وهي هندية محاضرة في London School of Economics ربما ما تزال هناك. ملخص الرسالة أن على الختيار ان يعلم أن هناك بقايا من الفلسطينيين لا يرتشون.

لم ترد ريموندا جواباً. اتصلت انا فقالت: شو اقول لك أنا لا أجرؤ على إعطاء ردك للختيار".

بعد أوسلو عادت السيدة لرام الله، والتقتني صدفة وجلسنا وتذكرنا كل شيء.

قالت: هل زرت أبو عمار في الحجز.

قلت: لا، فهو قد سجنني.

قالت على الأقل إهديه كتبك؟

قلت خذيها كلها.

قالت: بشرط أن تكتب إهداء.

قلت: لا لأن الإهداء معناه انني قبضت مقابل ذلك. (ريموندا حية ترزق).

لو انني قبضت من الختيار لما قلت كلمة واحدة من يومها.

قبل اسبوعين كتب لي شخص فلسطيني ايضاً ملاحظة على مقالة لي عن الصهيونية، وأجبته وقلت له اود أن نلتقي ، فكتب لي ربما لا يعجبك أنا الآن في ليبيا. اي انه مع فلسطينيين يدعمون ثوار الناتو، رددت إليه ردا حسناً. ولكن من حالته ومن كثير من شبيهاتها عرفت أن فلسطينيين من الأراضي المحتلة يساعدون ثوار الناتو !

وهنا لا بد من القول: أعتبروا القذافي اسوأ من هتلر، قولوا ما تريدون. ولكن هل هناك اي إنسان يحترم نفسه يمكنه قبول الناتو؟ ثوار الناتو لهم ارتباطاتهم، فماذا عن الفلسطييين والعرب الذي شاركوا وهنأوا باحتلال ليبيا ودمارها؟

من الأمور المضحكة حتى الثمالة: أن الذين شاركوا مع الناتو ليس حاكم قطر والإمارات وخادم المركزين "الحرمين كما يزعم" بل كذلك ثوارا فلسطينيين وعرب على الأرض وعبر فضائيات الأنظمة القُطرية وشاشات الإسلام السياسي بأنواعها. المضحك حتى الاحتقار أن هؤلا ء يقولون اليوم للناتو أن يخرج!

لا إله إلا الله! سيقول الناتو سمعاً وطاعة؟ هذه الناس لم تعرف الاعتذار ولا نقد الذات. بل ربما الأمر اخطر. لماذا لا نقل أن الحلم الجديد في المنطقة اليوم هو:

قرار أميركي بتسليم الوطن العربي لقيادات من الإسلام السياسي بجناحيه: السني والشيعي، تكون تركيا قيادة السنة وإيران قيادة الشيعة، ولا يكون هناك اي مشروع نهضوي عربي. بل إن المخطط هو الإجهاز التام على هذا المشروع الذي ولد طوال القرن الماضي، وأتى هذا القرن لذبحه تماما.

هذا ربما اهم دروس ليبيا، درس مفاده لدى قيادات من الإسلام السياسي أن: وما المشكلة في بقاء اسرائيل والقبول بها والتصالح معها طالما ذلك يؤكد لنا الرضى الأميركي[6]؟ فالأديان تتصالح في النهاية. ولماذا لا يخرس هؤلاء اللاجئون الفللسطينيون ويبقوا حيث هم؟ ولماذا لا يقبل قادة الإسلام السياسي أن يكونوا وُلاة للعثماني والملالي على كل قطر والٍ؟ وفي النهاية يقدم العثماني والفارسي خراج العرب إلى واشنطن؟

معذرة للكثيرين الذين سيغضبون. ولكن هذا الدعم (حتى بالكلمة) لتدمير ليبيا لا يقوم على حسابات غير هذه. فحتى الذين قاوموا وما زالوا يقاومون في فلسطين ولبنان قد كشفت هذه التجربة سقفهم إلى اين.

ويبدو ان ما وصلت إليه منظمة التحرير (المسماة علمانية) تكرره قيادات من الإسلام السياسي من المحيط إلى الخليج لوصول نفس المحطة، وهناك سوف يتنافس الإسلام السياسي والاسلام الوطني العلماني على الاستسلام السياسي. هي إذن السلطة ومن ثم الثروة.

إن صح تقديري، فقد بلغت كما قال الرسول الأكرم، وإن لم يصح فحال الأمة العربية اهم من دقة توقعات فرد.

اما والحال على ما وصل إليه، فمن هي حجارة الوادي التي بقيت فيه؟

القابضون على المال أم القابضون على الجمر؟

ومن الذي له حق نقد القذافي ومحاكمته؟ القابضون؟ أم الذين نقدوه وهو في عزه ولم ينخُّوا تحته ولا تحت غيره، واليوم يرثونه لأن من خلعوه خلعوا ليبيا العربية. لو رفض القابضون مال القذافي لربما أرسوا لديه طريقاً أفضل. لا بد من النقد الحامض للتأسيس على نظاف. هذا درس التاريخ.


ملاحظة


[1] في عام 1986 قدمت أطروحتى للماجستير لدار نشر في لندن للطباعة اسمها تاورس ومالكها إيراج (نسيت الباقي) كان الرد نعم نطبعها ولكن ان تشتري دولة بلادك 500 نسخة. قلت ليست لنا دولة، قال المنظمة أغنى من كل دول إفريقيا. قلت أنا لست من رجالها، ولم نطبع الكتاب.

[2] في سجن نابلس أدهشني م.إ في ايار 1968 بقوله نحن رواتب ورتب كالجيش!!! كيف وزقك الله مالا وفيرا ومبكراً !

[3] ربما ثالثة الأثافي أنه حتى اليسار الصهيوني التقط الأمر وزعم أنه مع دولة للفلسطينيين فانهمرت عليه الأموال، لو أردتم إسألوا السيد ميشيل فارشافسكي الذي كان أمين عام متسبين جروزاليم (رحلت هذه المنظمة) وصار ملكاً متوجاً على مركز المعلومات البديلة. انظر كتابي : منظمات غير حكومية ام قواعد للآخر 2003.

[4] حينما توفي الملك فيصل 1975 وكنت اعمل في جريدة الفجر في القدس ، كتبت مقالا بعنوان: عاش الملك مات الملك، ونقدت فيه النظام السعودي. اعترض صاحب الجريدة السيد حنا سنيوره، وحاول منع النشر، فقلت له سانشره إعلاناً وأدفع لك راتبي. ونشر المقال. طبعا لأن السعودية كانت تدفع قبل ذلك الحين وإلى اليوم لكل الناس!!! في تلك الفترة كانت ما تزال للمقاومة اسناناً.