جهاد فاضل
يصف الدكتور سمير سحيمي في كتابه «الايقاع في شعر نزار قباني من خلال ديوان قصائد» الصادر عن عالم الكتب الحديث، نزار قباني بأنه شاعر من اصحاب التجارب المستقلة، لأنه لم ينخرط في التجارب الشعرية المعاصرة له، مثل شعر الحداثة مع السياب ونازك الملائكة والبياتي وغيرهم، بل سعى إلى ان يفرد لنفسه رؤيا شعرية يختص بها. وهذا ما دعا الباحث إلى الاهتمام بشعره، لا سيما أن بين الذات والشعر الفة وقرانا جعلا في النفس ولها بإدراك اسرار جمال الشعر من خلال رؤيا نقدية مجردة تسعى إلى استكناه خصائص التجربة الشعرية من زاوية تعد من أهم زوايا قراءة شعر نزار قباني هي الايقاع، خاصة ان تجربته، على سهولتها، متمنعة صادّة لا تكشف اسرارها بيسر.
لماذا اختار الباحث ديوان «قصائد»؟ لانه بنظره ديوان مفصلي في شعر الشاعر، اذ مثّل رؤيته في المرحلة الأولى من تجربته الشعرية. فهو الديوان المنبئ بتحول تجربة الشاعر من العمودي إلى الحر. فقد غلب على الدواوين السابقة له الشعر العمودي وقد نحت الدواوين اللاحقة إلى شعر التفعيلة. كما ان البحور والتفعيلات التي تضمنها الديوان تمثل اختيارات الشاعر في التجربة الأولى إلى حدود السبعينات من القرن الماضي كما يرى بعض النقاد.
ومن دواعي اختيار هذا الديوان أيضاً احتواؤه قصائد بوادر لتجربة الشعر السياسي منها قصيدة «خبز وحشيش وقمر» وقصيدة «قصة راشيل شوازنبرغ» وقصائد راسخة في ذهن القارئ مثل «مع جريدة»، و«طوق الياسمين»، و«القصيدة الشريرة»، وكلها علامات في شعر الشاعر جعلته يعتبر ديوان «قصائد» أقرب الدواوين إلى نفسه.
مسلمات منهجية
يؤسس الباحث عمله على مسلمات منهجية انتهى إليها الدرس الغربي الحديث، أهمها كتابات موشونيك. من هذه المسلمات فهم الإيقاع على انه بحث يتأسس على أولوية الخطاب على اللغة، ويتجاوز التقطيع العروضي. فهو خطاب يحمل مياسم الذات ويفصح عنها: ويعبر عن رؤية الشاعر وفكره.
وعلى هذا الأساس يفرّع الباحث مستويات التحليل على أساس الاختيارات المنهجية الحديثة لدراسة أبنية الكلام، فجعل مقام الصدارة للاختيارات الصوتية تجسيداً لتصور يقوم على التدرج من الوحدة الدنيا، وهي الصوت، إلى وحدات أكثر تعقيداً وتركيباً كالأوزان والكلمات والصيغ والتراكيب. فكانت الاختيارات الصوتية وقوامها تشكلات الصوت، والاختيارات العروضية وأساسها ا لتفعيلة، والتكرار وأساسه الكلمة، والصيغة والتركيب.
بساطة وبيان
ويقول الباحث انه انتهى من عمله الى جملة نتائج منها ان جمالية الإيقاع في ديوان «قصائد» قائمة على على تمثّل نزار قباني الشعر العربي وبعض تجارب الشعر الغربي، نهل منها فصرّفها تصريفاً ذاتيا، فاختياراته الصوتية لا تخرج عما كرّسه الشعر القديم، لكن كيفية تشكيله الأصوات تعلن عن ذات منشئة، واختياراته العروضية تستعيد أبنية دارجة في تجارب السابقين. لكن الشاعر يخرج عن سلطة العروض في تشكيل أبنية عروضية موازية وفي أشكال انتشار الرويّ ووجوه التقنية الداخلية، واختياراته في مستوى التراكيب النحوية والصيغ الصرفية القائمة على التكرار تكريساً لتوقيع مخصوص، لكنه لا ينأى في ذلك عن سلطة الموروث في جريان التكرار غالبا في المقطع أو المطلع. ان نزار قباني يجمع بين إعادة إنتاج ما شاع من فنون القول الشعري يصرّفها تصريفا ذاتيا صرفا لا يخلو من بساطة وبيان.
ثمة استخلاصات كثيرة يخرج بها القارئ لهذا الكتاب منها ان الدرس النقدي المتعلق بشعر نزار قباني متنوع متعدد في البناء وزاوية النظر. وهذا، برأي الباحث، مما يؤكد ثراء التجربة الشعرية المدروسة وقيمتها، واختلاف وجوه قراءتها. لكن رغم كل ذلك بقيت تجربة نزار قباني الشعرية في مجالات عدة منها بكرا جديرة بالبحث والدروس، لا سيما في مستوى الدراسات التطبيقية.
وقد سعى الباحث الى البحث في خصائص الاختيارات الصوتية ووظائفها، والنظر في الأصوات باعتبارها سلسلة من المكونات الصوتية تتخذ وظيفتها الايقاعية في اتحادها بالدلالة وافصاحها عن المعنى، لا باعتبارها اصواتا فيزيائية معزولة، ولما كان مجال التشكلات الصوتية هو المقطع، فقد تبين ان في ديوان «قصائد» مقاطع شائعة هي التي تتكون منها القصائد، ومقاطع فاعلة ناجحة مؤثرة في نظام التشاكل الصوتي، وقد توزعت الى مقاطع مفردة واخرى متعددة لكل منها وظيفة في اظهار الصوت او الأصوات الوظيفية.
النادر الفاعل
ومن طريف ما خرج به الباحث في موضع النظر في علاقة المقاطع الشائعة بالمقاطع الفاعلة أن توظيف الصوت لم يرتبط بالمهيمن الشائع، بل بالنادر الفاعل. «فكأن نزار قباني يخرق نظام الشائع المشترك ليجعل شعره مخصوصا بتفرد في كيفية بناء المقاطع. ولعل بناء الشبكة المقطعية لم يخل من نظام محكم قوامه اختصاص المقاطع المتعددة في القصيدة الواحدة بالاصوات المفردة، واقتران المقاطع المفردة بالاصوات المتعددة. وذلك ما انشأ في القصيدة تنوعا في التشاكل الصوتي، وفي وظيفة الصوت. ومن وظائف الائتلاف المقطعي الوظيفة التنغيمية، وتتجسد في انتشار صوتي مشروط بالرويّ، وبذلك يكف صوت الروي عن أن يرتبط بآخر البيت أو السطر الشعري فقط ليمتد انتشاره في القصيدة انتشارا وظيفيا، سواء أكان انتشارا مؤسسا على صوت الروي مفردا أم متشابكا مع اصوات أخرى هو نواتها. وفي التشاكل والتشابك اثراء للوظيفة التنغيمية، ولا سيما أن هذا الانتشار شاع في ما يقارب نصف الديوان.
ظاهرة التكرار
ويقف الباحث في أحد فصول كتابه مع ظاهرة التكرار في شعر نزار. فهو يرى ان التكرار في ديوان «قصائد» وفي شعر نزار قباني عموما، لم يخرج عن استئناف المكرس والتفنن في اخراجه. فقد أجراه الشاعر في اشكال متعددة، وفي مواقع محددة من القصيدة في المقطع والمطلع، وفي تعانق بين العناصر اللغوية المكررة، أصواتا وصيغا وتراكيب.
ومما يخرج به قارئ «الايقاع في شعر نزار قباني من خلال ديوان قصائد»، ان نزار قباني شاعر رسم لنفسه خطة في بناء خطابه الشعري في ديوان «قصائد»، تمثلت في سمة السهولة اليومية، والايضاح والبيان في غير ما تعقيد ولا تكلف، وفي اختصاص شعره بتكرار يرسخ الاختيارات الايقاعية في ذهن القارئ والسامع، فيؤثر فيه من خلال سمة الشفوية التي تحققها اشكال التكرار، وتجسدت في تجريب الاختيارات، تكثيفها وتكريسها بما يحقق بصمة ذات تتشكل في تفرّد لا يلغي الانتساب إلى الموروث، بل يستأنفه استئنافا يتجاوز المحاكاة إلى الخلق والابداع ويقوم على الانشاد والانشاء والاحتفاء بالعالم وبالآخر.
ويشكل هذا الكتاب واحدا من الكتب النقدية التي ظهرت في الآونة الأخيرة حول شعر نزار قباني، والتي تعبّر عن احتفاء بشعر نزار والعثور فيه على جماليات كثيرة.