نوال السباعي

لا تتمتع ثورة "الربيع العربي" بكثير من المقاييس العلمية، التي يحددها "مصطلح" الثورة سياسياً واجتماعياً، ولا ترمي فقط إلى إسقاط النظام السياسي، الذي تجذر في المنطقة العربية بالفساد والطغيان، ولكن - وأيضا - إلى إحداث ثورة اجتماعية إنسانية، في منطقة ما زالت تعاني من "الاستعمار" بصورة غير مباشرة.

وقد "سرقت" الأنظمة السياسية فيها نتائج مخاضات الاستقلال، كما استأثرت بتجميد وتأطير رؤى التفكير العام في الحياة الاجتماعية وفهم احتياجات الإنسان رجلاً كان أم امرأة، مما انعكس عليه بأسوأ النتائج في موطنه وفي المهاجر.

بعد أشهر على اندلاع الثورة، كتبت "ألمودينا غرانديس" في صحيفة البايس تقول: "أين المرأة في ثورات الربيع العربي؟؟، إنني أبحث بين الرؤوس فلا أرى "شَعرا" ، وأبحث في الوجوه فلا أرى "مكياجا"، ربما في ميدان التحرير، بعض العيون المكحلة المختفية وراء نظارات شمسية سميكة!! أما في اليمن والبحرين وسوريا فلا وجود بالمطلق - ! - للعنصر النسائي؛ لأنه يُحرم في تلك البلاد على المرأة أن تدوس الشارع"!!.

"سيرين إدلبي" الباحثة الإسبانية السورية في شؤون "المرأة والتوجهات النسوية في الحركات الإسلامية" في جامعة الأوتونوما في مدريد، ردّت، فقالت: "لا تتركز مشكلة الكاتبة "غرانديس" في أنها لم تر.. ولم تجد نساء ثائرات، مشكلتها أنها كانت تبحث في شوارع الثورة عن نساء مسلمات يدخلن من ثقب إبرة فهمها للمرأة وللحجاب!!... بينما تثبت مئات آلاف الصور والتقارير الإخبارية من تونس ومصر واليمن وسوريا وليبيا، وجود النساء جنباً إلى جنب مع الرجال في هذه الثورة.. ليس في الشارع كعدد يهدر بالملايين فحسب.. بل في العمل الميداني، فضلا عن اضطلاع البعض بأدوار ريادية، من حيث صياغة المنظومة الفكرية للثورة، والدعوة إليها مبكراً.

• في تونس كانت المناضلات جنباً إلى جنب مع الرجال، ينظمن كبريات المظاهرات التي أطاحت ببن علي.

• في مصر الملايين من النساء من كل انتماء ودين وطبقة اجتماعية، تظاهرن، هتفن، نظفن الشوارع، قمن بإعداد الطعام ، أسعفن الجرحى، نظمن السير، ضبطن الأمن، جُرحن، واعتقلن، وسقطن شهيدات.

• نساء اليمن تدفقن "شلالات" في شوارعه.. ذهباً أسود ..لا يقل في قيمته الحيوية وطاقاته الاستثنائية عن قدرة البترول نفسه على تغيير شكل النظام الذي يحكم عالم اليوم!

• "توكل كرمان" ستمر في التاريخ على أنها أصغر شابة، وأول امرأة عربية، تحوز جائزة نوبل؛ تقديراً لدورها القيادي النضالي في ثورة اليمن ضد النظام البائس الذي حكمه.

• في ليبيا.. قامت "إيمان العبيدي" باقتحام مركز الصحافة، لتبلغ في شجاعة منقطعة النظير وأمام كاميرات العالم عن ما تلقاه نساء ليبيا من عقوبات وعسف.

لقد استعملت كتائب القذافي "الاغتصاب" سلاحاً فتّاكاً في معركتها مع شعب أراد الحرية والكرامة.

الشيء نفسه الذي تقوم به "عصابة الأغوال" في سوريا لتركيع شعب يريد الخلاص من العبودية.

• في سوريا كانت "طل الملوحي" المُدَونة الشابة هي البداية، بعدها كانت "سهير الأتاسي" أول من تجرأ على حمل شمعة لنصرة شعبيّ تونس ومصر، صفعوها على وجهها!.. تلك الصفعة ستمر في التاريخ على أنها الصفعة التي جعلت السوريين يخرجون أول مرة منذ أربعين عاما هاتفين: "الشعب السوري ما بينذل".

من المؤسف أن تتساءل بعض كاتبات الغرب "أين المرأة في الثورات العربية؟!"، لكنه الاستعمار الفكري والثقافي الذي لا يستطيع أن يرى إلا من خلال "رؤيته الخاصة" للأحداث والبشر.. منكراً على الآخرين حقهم في التعبير عن أنفسهم ومعتقداتهم بالشكل الذي يريدونه ويرونه.

إنها أبشع تجليات الاستعمار الذي تحالف خمسين عاما مع الأنظمة المستبدة، وبقي محافظاً على تحالفه معها حتى اللحظة الأخيرة لسقوطها.
هذه النظرة الاستعمارية ذاتها التي تُكرس العنصرية والكراهية ورفض الآخر في عقر دارها، إلى درجة أن يتلاشى هذا الآخر من أدبياتها، وتُرفع السدود بوجهه، وكأنه لم يوجد!.
آلاف من نساء العرب والمسلمين في أوروبا من الكاتبات والصحافيات والباحثات، يمررن في حاضر أوروبا كالأشباح، لا وجود لهن في وسائل الإعلام، ولا في الرأي العام الأوروبي، ولا في التصور الإنساني الاجتماعي – إلا في بلدان قليلة وعلى أضيق نطاق - .. وقد جاء "الربيع العربي" يعيد إليهن اعتبارهن، ويرغم "الغرب" على الاعتراف بوجودهن فيه.. وفي عوالمهن بعيداً عنه!.

إنها ثورة جاءت لقطع رؤوس الفساد السياسي والاقتصادي، ولكنها في نفس الوقت، تريد إعادة رسم معالم إنساننا.. تحرره، وتمنحه كرامته.. رجلاً كان أم امرأة، وفي كل مكان يتواجد فيه! لأن حرية المرأة ليست إلا جزءا من حرية الإنسان، ولا يجب أن تُرى إلا بمنظور "إرادتها"، وبمنطق "هويتها"، لا بمنطق ثقافة المستعمر، ولا بمنظور رؤية المستبد، وسلطاته "الأبوية" التي تخالف روح الإسلام وأخلاقياته الحضارية البناءة.

سيكون من أولى أولويات هذه الثورة إعادة النظر في المنظومة غير الإنسانية، وغير الأخلاقية، وغير الإسلامية، التي حكمت بلادنا وحياتنا، وحرمت إنساننا من حقه في أن يكون الإنسان الذي "يريد".

ليست المسألة، ولم تكن، قضية "امرأة" مجتثة عن سياقها الحضاري والإنساني، ولا قضية "امرأة" يريد البعض معالجتها بالنظرات النسوية الاستعمارية القاصرة عن الإحاطة بمعاناة المواطن في أوطانٍ مُستَلَبة، المسألة كانت، وستبقى، مشكلة "المرأة" التي دخل بها علينا الاستعمار من أبوابٍ، انهمكنا بمناوشته عليها، حتى إننا لم نلتفت لارتكاسنا وتلبسنا بمشكلة حقيقية داخلية ذاتية، علينا أن نعالجها "نحن"، من منظورنا "نحن"، ومن ثوابتنا وقناعاتنا، ضمن نسيجنا الاجتماعي والضرورات الملحة لإحداث ثورة اجتماعية لاتقل أهمية وخطورة عما يحدثه الربيع العربي اليوم من زلازل سياسية رنانة.