(حسان الحسن)

بدأت الدعوة "الوهابية" بالظهور في الحجاز في أواخر حقبة حكم الدولة العثمانية، وصاحب فكرة هذه الدعوة عالم مجدد يدعى الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ارتكزت فكرته على محاربة "الشركيات" التي لحقت بالعقيدة الإسلامية، وتزامن انطلاق الفكرة المذكورة وقوتها مع ضعف الامبراطوية العثمانية، وواكبت مرحلة تقسيم الدول التي كانت خاضعة لحكم الامبراطورية المذكورة وفق معاهدة سايكس - بيكو، ولاقى الفكر تأييد مؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز آل سعود ثم انتهاجه، ليحدث بعدها الخلط العجيب مع الدعوة السلفية.

في لبنان، قام الشيخ الراحل سالم الشهال في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي بتأسيس التيار السلفي، وكان مشروع الفكرة العودة إلى منابع الدين ومحاربة الفكر التغريبي وتنقية الدين الإسلامي من البدع والشوائب، على سبيل المثال: "حارب زيارة القبور والتوسل إلى أصحابها".

لم تنشغل الحركة السلفية بالواقع السياسي اللبناني، على اعتبار أن المبادئ الشرعية الإسلامية تنافي فكرة المشاركة في دولة علمانية، غير أن الشيخ داعي الإسلام سالم الشهال خرق هذه القاعدة عبر ترشحه للانتخابات النياية العام 1996، ما أدى إلى تأثير سلبي كبير على القاعدة السلفية.

أما في شأن القوة العسكرية للحركة السلفية، فقد ظهرت في لبنان الشمالي إبان وجود حركة التوحيد الإسلامي في طرابلس في ثمانينيات القرن الماضي وعرفت بـ"نواة الجيش الإسلامي"، وقد تعرض أحد مخيمات السلفيين في جزيرة الأرانب لعدوان إسرائيلي، استهدفه بحراً وجواً في تموز 1984 استشهد جراءه نحو خمسة عشر مقاتلاً كانوا موجودين في تلك الجزيرة، ودارت آنذاك اشتباكات بين زورق إسرائيلي وزورق سريع لحركة التوحيد، أسفرت عن وقوع أربعة جرحى من الجيش الإسرائيلي، بحسب اعترافه.

في تسعينيات القرن الماضي، تعرضت معاهد الهداية وإذاعة القرآن الكريم التابعين للحركة "الوهابية" للإقفال بسبب وجود مقرر لديهم يكفّر العلويين وغيرهم من المذاهب الإسلامية.

على أثرها توقف نشاط الشيخ داعي الإسلام الشهال لسنوات عدة، ليعاود بعدها حركته السياسية ودعوته الدينية بعد وصول فريق الرابع عشر من آذار إلى الحكم في لبنان في العام 2005.

إن حقيقة واقع حال السلفيين في لبنان راهناً، هي أنهم مجموعات عدة ومتنافرة في بعض الأحيان، ولايشكلون بمفردهم هذا الثقل الذي تناقلته بعض وسائل إعلام إبان المواجهات التي كانت تدور بين منطقتي جبل محسن وباب التبانة في طرابلس.

ولكن بعد الهزيمة التي مُني بها تيار المستقبل في بيروت في السابع من أيار من العام 2008، حاول أن يرد ماء الوجه، فكان أن حرّك جرحاً قديماً بين التبانة وجبل محسن للتعويض عن هزيمته، فدارت الاشتباكات بين المنطقتين المذكورتين على مراحل، ولم تنته تداعياتها في شكل نهائي حتى الساعة .

وفي سبيل الحفاظ على صورته "المدنية" أمام الرأي العام، وللابتعاد عن واجهة الحوادث، حاول "المستقبل" استغلال السلفيين في عمليات تصفية حساباته الداخلية والخارجية، فأقدمت الأجهزة الأمنية التابعة له على تمويل المقاتلين السلفيين ومدهم بالسلاح، تارة لإقحامهم في اشتباكات داخلية، وطوراً لإرسالهم إلى سورية، علماً أن تاريخ العلاقات بين "المستقبل" و"الإسلاميين" لم يكن على ما يرام، خصوصاً بعد قيام أجهزة آل الحريري باعتقال مئات الشباب الإسلامي، وزجهم في السجون بذرائع مختلفة، ثم إدخالهم في "البازارات الانتخابية".

في المحصلة يمكن القول بأن الحركة السلفية في العالم تنقسم راهناً إلى فئتين:

- حركة سلفية سلطوية تابعة للأنظمة الخليجية، تحديداً المملكة العربية السعودية، تستغلها في خدمة سياستها وتصفية حسابتها.

- وحركة سلفية جهادية تنتهج الفكر الجهادي للحركات الإسلامية، لمحاربة مختلف أشكال الاحتلال للأراضي الإسلامية.