لأن المياه - كما قال الفيلسوف اليونانى القديم سيشرون - لا تجرى فى النهر نفسه مرتين، فإن التاريخ لا يعيد نفسه، ولا يكرر حوادثه، وهى حقيقة لا تعترف بها معظم فضائيات وصحف هذه الأيام، والتى تصر بمناسبة، وأحيانا بدون مناسبة، على القول بأن الأوضاع فى مصر هذه الأيام تبدو كأنها تتجه بسرعة نحو تكرار أزمة مارس 1954. تلك نبوءة تقال أحياناً كلما تصاعد التوتر بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى يدير شؤون المرحلة الانتقالية منذ تخلى الرئيس السابق عن منصبه فى 11 فبراير من العام الماضى، وبين بعض فصائل الجناح المدنى من ثوار يناير الذين يصرون على مطالبة المجلس بالرحيل عن السلطة وتسليمها للمدنيين، حتى بعد أن حدد موعد هذا الرحيل، مشككة فى أن عسكر 2011 يخططون للبقاء فى السلطة، كما فعل عسكر 1952 أثناء أزمة مارس 1954، وتقال أحياناً بمناسبة التوتر فى العلاقات بين هذا المجلس العسكرى، وجماعة الإخوان المسلمين التى حازت الأغلبية فى مجلسى الشعب والشورى، وكان آخر ملامحه التلاسن - الذى جرى مؤخراً - بين الطرفين عبر بيانات رسمية، على خلفية إصرار الجماعة على سحب الثقة من الحكومة القائمة، ومطالبتها بالحلول محلها، وإصرار العسكرى على أنه - طبقاً للإعلان الدستورى القائم - صاحب السلطة فى تشكيل الحكومة، وفى إقالتها، وأنه لا يجد مبرراً لسحب الثقة منها أو استبدال غيرها بها، ليندفع المحللون السياسيون والفلكيون الثوريون إلى الإعلان عن أن أزمة مارس 1954 فى طريقها للتكرار بعد 58 سنة من حدوثها. والغريب أن أحداً من هؤلاء المحللين والفلكيين لم يكلف خاطره ويعود إلى مصدر من مصادر التاريخ، لكى يبحث عن أوجه المشابهة بين الظروف التى مهدت لأزمة مارس 1954، والوقائع التى جرت خلالها، والنتائج التى انتهت إليها، وبين الظروف الحالية، اكتفاء بأنه فى الحالتين هناك عسكر ومدنيون وإخوان، وتوترات فى العلاقة بين الأطراف الثلاثة، وهى مشابهات شكلية يمكن أن تتكرر فى كثير من الظواهر التاريخية، من دون أن يؤدى هذا إلى أن تسفر عن النتائج نفسها، أو أن تقود إلى تكرار الماضى، أو إلى جريان المياه فى النهر نفسه مرتين.. مع أن عسكر 2011 ليسوا عسكر 1952، والمدنيون من ثوار العقد الثانى من الألفية الثالثة، يختلفون بالقطع عن أجدادهم من المدنيين معارضى العقد السادس من القرن العشرين، فضلاً على أن مصر اليوم والعالم من حولها، ليست هى نفسها مصر الأمس والعالم من حولها. أما المهم فهو أن شرارة أزمة مارس 1954، بدأت بصراع على السلطة داخل مجلس قيادة ثورة 23 يوليو 1952، بين الزعيم الواجهة للثورة اللواء محمد نجيب، وأعضاء المجلس من الضباط الشبان، انتهى بأن قدم استقالته فى 25 فبراير 1954 من رئاسة الجمهورية ورئاسة المجلس، ليثور سلاح الفرسان على ذلك، ويعتصم ضباطه فى «ميس» السلاح، ويتحرك ضباط المدفعية ليحاصروهم، ويحلق الطيارون فوق مكان الاعتصام، حتى أوشكت البلاد أن تدخل فى حرب أهلية بين أسلحة الجيش، مما اضطر مجلس قيادة الثورة لإعادة «نجيب» إلى موقعه، وإعلان قرارات 5 مارس 1954 التى تقضى بانتخاب جمعية تأسيسية تكون مهمتها مناقشة مشروع الدستور وإقراره، والقيام بمهمة البرلمان إلى حين انعقاد البرلمان الجديد، وفقا لأحكام الدستور، وإلغاء الرقابة على الصحف، وإلغاء الأحكام العرفية قبل انتخاب الجمعية التأسيسية. ولم تصمد هذه القرارات سوى ثلاثة أسابيع، حدث خلالها خلاف جديد داخل مجلس قيادة الثورة، بين الذين تمسكوا بها لأنها تجمع بين الثورة والديمقراطية، وهم «محمد نجيب» و«خالد محيى الدين»، وبين بقية أعضاء المجلس الذين طرحوا بديلاً يقضى بإنهاء الثورة، وحل مجلس قيادتها، وعدم تشكيل حزب منهم، وإعادة جميع الأحزاب القديمة، وتسليم السلطة للجمعية التأسيسية، وهى قرارات بدت فى الظاهر أكثر ديمقراطية، إلا أنها كانت فى جوهرها عملاً من أعمال الإثارة المبنية على التخلى فجأة عن السلطات والصلاحيات، ليجد الجميع أنفسهم على حافة الهاوية، وأمام اختيار شرير بين «الثورة» و«الديمقراطية»، وبين تسليم السلطة للعسكر بلا قيد ولا شرط، أو إنهاء الثورة، وإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبلها، بلا قيد ولا شرط، فكان طبيعياً أن يثور الفلاحون والعمال الذين استفادوا من إنجازات الثورة ضدها، وأن تخرج مظاهراتهم تهتف: تسقط الديمقراطية يسقط المثقفون، لينتهى الأمر بتأجيل قرارات 5 و25 مارس 1954 إلى ما بعد مرحلة الانتقال، حيث لم تر النور منذ ذلك الحين

وكان الإخوان المسلمون هم أول من استفادوا من أزمة مارس، إذ كانت قيادتهم العليا، ومعظم كوادرهم الوسطى، قيد الاعتقال منذ أن صدر - فى 14 يناير 1954 - قرار بحل الجماعة بسبب مشاكل بينها وبين مجلس قيادة الثورة، وما كادت قرارات 25 مارس تصدر حتى أفرج عن المعتقلين، وكان المرشد العام للإخوان حسن الهضيبى هو أول الذين أفرج عنهم، وزاره جمال عبدالناصر فى الليلة نفسها، وفى أعقاب ذلك اختفى الإخوان من ساحة الصراع حول الديمقراطية بين مجلس قيادة الثورة، وبين القوى المدنية والديمقراطية، إذ لم يكونوا متحمسين لإطلاق حرية تشكيل الأحزاب، وكانوا يتمنون أن يقضى مجلس قيادة الثورة عليها، فتخلوا لهم الساحة وحدهم، فالتزموا السكون التام، مع أن مشاركتهم بجماهيرهم كان يمكن أن تعتبر عامل ترجيح لأحد الجانبين

وبسبب ذلك هزم التيار الديمقراطى داخل مجلس قيادة الثورة، وحسم الصراع لصالح الذين رفعوا شعار الخيار بين الثورة والديمقراطية، وخلت الساحة للإخوان إلى أن تجدد التوتر بينهم وبين العسكر، ووصل إلى ذروته فى 8 نوفمبر من العام نفسه، حين حاول أحد أعضاء الجهاز السرى للجماعة اغتيال جمال عبدالناصر فى ميدان المنشية بالإسكندرية، لتبدأ عملية تصفيتهم! وعلى الرغم من مشابهات عديدة فى المواقف التى ينبغى لأصحابها أن يأخذوا منها العبرة، فإن ذلك لا يعنى أن المياه سوف تجرى فى النهر نفسه مرتين، أو أن التاريخ سيعيد نفسه، ذلك أن التاريخ لا يتكرر، ولكنه فقط يترك عبرة لمن يريد أن يعتبر