الشيء الوحيد الذي تبحث عنه قلوب الناس الحائرة الظمأى هذه الأيام هو بضع قطرات من ماء الحقيقة .. ظمأ الناس للحقيقة يشبه حكاية ظمأ السيد المسيح على أخشاب الصليب ونداء "ايلي ايلي .. لماذا شبقتني؟؟!!" وماناوله بعضهم للسيد المسيح ليشرب في ظمأه الأخير كان اسفنجة ملئت خلا رفعت اليه على قصبة .. الخل بعينه الذي تذوقه السيد المسيح هو مايسقاه الناس في اعلام الجزيرة واعلام العرب .. شعوبنا مصلوبة على أخشاب الربيع ظمأى للحقيقة .. فيما لاتتذوق شفاهها سوى الخل ..ظمأ يسقي ظمأ ..وعطش يروي عطشا .. وكل أنهار الشرق صارت خلّا ..من الفرات الى النيل .. ومن المحيط الى الخليج ..وليس هناك الا جزيرة واحدة لايسقى فيها الظامئون الا الخل .. فيزدادون ظمأ .. ونزيفا ..وموتا ..

ومع هذا فان قطرات من حبر الحقيقة الأحمر نكتبه سيحيل الخل الى ماء قراح .. فلا تستهينوا بقطرات الحبر النازفة على الورق عندما تحارب أنهار الخل .. وماتقوله قطرات هذه المقالة هو ماتقوله قطرات ماء عذب لفم الشرق الذي تاه في صحراء العرب وملأه الملح الأجاج .. وأشرب الخل حتى تشققت شفتاه ..

فالناس يعيشون دوامة أخرى من التساؤلات الحائرة .. فماالذي يحدث وماذا سيحدث بعد مجلس الأمن؟ .. ومن يستمع لرواد كلام الخل -وماأكثرهم - سيظمأ، فليس على "اسفنجة" الجزيرة وقصبة "اتجاهها المعاكس" قطرة ماء واحدة .. وليس في "العربية" سوى اسفنج مبلل بالدم .. وماسنقوله في هذا المقال .. هو الماء المبذول بسخاء لكل الظامئين ..

فوفق آخر الآراء التي جمعتها من لقاءات كثيرة مع خبراء السياسة فانه لم يعد هناك شك أن طوفان الربيع العربي قد بلغ نهايته وأن الخرائط السياسية النهائية من حركة تلك الموجة قد تشكلت وارتسمت .. ووفق هؤلاء الخبراء فانه من دواعي السخرية أن يحتاج اسقاط سورية أكثر مما احتاجه اسقاط منظومة كاملة اسمها الشيوعية في الثمانينات والتي انهارت في أشهر قليلة فيما لايزال البعض يعتقد أن سقوط سورية آت بعد كل هذا الانتظار الطويل .. لأن مشروع اسقاط الدولة السورية انتهى عمليا .. ووصول كوفي عنان الى الشرق الأوسط يشبه وصول سيارات رجال الشرطة في آخر لحظة في الأفلام الأمريكية لانهاء الجزء الأول من الفيلم واسعاف "الجرحى" .. الجزء الأول من الفيلم انتهى عمليا والمخرج ينهيه ببعض اللقطات الضرورية .. تمهيدا للجزء الثاني ..

الموجة الأولى للربيع العربي توقفت نهائيا على الأرض السورية التي كاد طوفان الربيع العربي المتدفق يطويها ويلفها كالسندويشة ليتقاسمها أردوغان وشركاؤه في اسرائيل وأميريكا .. هناك وتدان قويان جدا أمسكا الجغرافيا السياسية للشرق هما وتد في مرتفع قلعة حلب ووتد في مرتفع قاسيون في دمشق .. يذكرنا هذان الوتدان بما قاله الله في القرآن الكريم "وجعلنا الجبال أوتادا" .. و "جعلنا في الأرض رواسي"..ولولا الخشية لقلت ان أوتاد الله على الأرض كانت في دمشق وفي حلب ..وأن مراسيه وضعها على الأرض السورية ..

والجزء الثاني من فيلم الربيع العربي سيعتمد كليا على المخرج الجديد لهذا الفيلم .. والحديث يدور عن اخراج روسي صيني مشترك .. الذي بدا أنه هو الذي قرر كيف ينتهي سيناريو الجزء الأول في الربيع السوري ونجح الى حد بعيد بعد أن صمم بدايته المخرج لأمريكي ..

وبالتأكيد فلن يكون ميدان الفيلم الجديد الأرض السورية لأن طبيعة التحولات الاجتماعية والسياسية الكبيرة دائما تشبه أحداث الطبيعة في الفيضانات الفوضوية .. فالفيضانات تكون مليئة بالدمار والطمي والركام والأنقاض وتكون دواماتها عنيفة في البداية لكنها بعد مسير طويل تهدأ وتفقد عنفها وزخمها .. وتتوقف كما تأمرها التضاريس .. وتضاريس الجغرافيا السياسية تتصرف كتضاريس الطبيعة .. فالجغرافيا السياسية قهرت الربيع العربي ودواماته وأمرته بالتوقف على حدود سورية فامتثل صاغرا بلا حول ولاقوة كما تستكين الفيضانات في السهول المنبسطة .. وكل المؤتمرات والتحالفات لن تغير من قدر الربيع العربي الذي همدت مياهه لدى وصولها الى السهول السورية رغم أنها لاتزال تمور بالطين والركام .. وتمور بأصوات بحّارة المستنقعات والطين في السعودية وقطر وتركيا .. ولن تتحرك مراكب الثوار في الطين السوري رغم المجاذيف التي استعملت مثل مجاذيف الجامعة العربية ومجلس الأمن ..لن تتحرك رغم حداء وغناء تيار المستقبل .. ورغم الطنين الذي يصدره البروفيسور غليون ومجلسه الموقر ورغم طنين البروفيسور العرعور والبروفيسور القرضاوي ..

الربيع العربي بات واضحا أنه مشغول بآلامه وتناقضاته الذاتية وبدأ يخوض صراعاته الداخلية من تونس وحتى مصر التي تتنافس تركيا والسعودية على التهامها كقالب حلوى نضج في أفران الربيع العربي وتستعدان للسطو عليه كمذنب عملاق انطفأ .. أما ربيع ليبيا فكان الله في عونه .. فهو يورق سايكس بيكو ليبيا التي تنفصل رمالها عن رمالها كما تنشطر جبال الجليد القطبية وتسرح تائهة في تيارات المحيط "الغربي" ويقف عليها الثوار عاجزين كما طيور البطريق ..فيما ربيع اليمن يخوض معارك "سيف بن ذي يزن" مع الجن والعفاريت في ظفار وحضرموت ..

الخشية الآن لدى دوائر السياسات الغربية ليست من اضمحلال الربيع الذي اصفرّت براعمه بسرعة بل من انقلاب ربيعي بعكس الناموس والطبيعة .. ومن هنا تأتي صولات أردوغان القلق وزياراته الى السعودية وايران والصين .. أردوغان في الحقيقة ذهب الى ايران والصين ليس لأن الرسول الكريم قال "اطلبوا العلم ولو في الصين"، بل ليعرف ماذا تريد الصين من المرحلة القادمة بعد انتهاء مرحلة الربيع العربي لطمأنتها .. وأردوغان غادر على عجل الى السعودية ليس لانقاذ الثورة السورية بل لانقاذ تركيا والسعودية عبر محاولة السعي نحو الدفعة الأخيرة اليائسة لتحطيم سورية بيد أبنائها بسيناريو المناطق الآمنة لخلخلة أو اقتلاع الأوتاد في حلب ودمشق .. والكل يعرف أنه أرسل في مهمة خاصة كمراسل للناتو والأمريكيين لمنع المحذور .. أي منع مياه الطوفان المرتدة عن الحدود السورية من الانفلات شمالا وجنوبا كما يحاول "المخرج الجديد" للفيلم أن يوجهها .. فطوال الربيع العربي لم يهبط أردوغان الى الجنوب الى الجزيرة العربية حيث كان أجداده قد اندحروا على يد جنود لورنس العرب .. فلماذا يهرول السلطان بشرواله الشخصي الى السعودية بسرعة لولا أمر جلل وكان سابقا يوفد أوغلوه لأي أمر عارض؟؟

من يقرأ التصعيد السياسي الأخير فيما يسمى ربيع سورية يلاحظ أمرا مريبا وجديدا .. فأردوغان عاد يبيع المناطق الآمنة وينادي عليها .. لكن لأول مرة ينتقل وليد المعلم "بائع الذهب" المقل بالكلمات وبالتصريحات ليدلي بتصريحات اتهامية مباشرة ضد تركيا بعد أن كان في منتهى الحذر سابقا ويرصع تصريحاته بالمودة للجيران الأتراك وبتمنياته عليهم بمراجعة الموقف وبالترحم على والدة أردوغان .. وقد تحرر المعلم من لهجة المجاملة والتقية ولم يعد حفيد جمال باشا السفاح يسمع من المعلم سوى التذمر والامتعاض المحذّر الغاضب .. فالمعادلة بدأت تقلباتها .. والبلدان المرشحان بقوة للاهتزازات الارتدادية هما تركيا والسعودية .. ليس لأن الربيع العربي صنعته الشعوب بل لأن الربيع والثورات الكبرى والانقلابات في الشرق تصنعها مكاتب الاعلام والاستخبارات ..والاستخبارات قررت أن تلعب مع الاستخبارات على المكشوف ..

فالقوى المعارضة الكامنة في السعودية وتركيا تتصل دون تحفظ باستخبارات مجاورة لهذين البلدين بعد أن تنسمت هذه المعارضات أوكسجين الحياة اثر نهاية مرحلة كانت أنفاسهما مكتومة في سورية والعراق وايران ودول أخرى .. انها غلطة العمر التركية-السعودية .. وغلطة من لايجيد الحساب .. وغلطة من لايعرف أين تبّث الله أوتاده في الشرق !!..

قد يبدو الامر غير مفهوم قليلا لكن قراءة السياسة ليست كقراءة فيصل القاسم وبياناته المنفعلة في مقدمات برامجه التي يبدؤها بقراءة تشبه قراءة مقدمات مسلسلات غراندايزر للأطفال للتشويق .. بل قراءة السياسة هي شيء مختلف تماما عما يراه فيصل من خلال نظاراته التي لاتهدأ ولاتستقر على أنفه وهي تنزلق .. فيما هو يطير في الفضاء الاعلامي المظلم ويتذبذب ويخفق بيديه كالخفاش معتمدا على الارتدادات الصوتية التي يطلقها صوته في الظلام ليرتد "بالاتجاه المعاكس" في ظلام الربيع العربي الحالك السواد ..

في مدارس السياسة هناك قاعدة مقدسة وهي أن المشاريع التي لاتنتهي ولاتكتمل هي مشاريع جريحة ومولودة ناقصة وهي معرضة للخطر الشديد والخروج عن السيطرة ..لأنها تفتح شهية مشاريع أخرى لالتهامها .. ومن هنا يمكن فهم توتر أردوغان وملوك السعودية والحلف الغربي كله .. فبعد استفاقة العالم من صدمة الربيع العربي واكتشاف لعبته القذرة تنبهت المشاريع النائمة في أدراج القوى الناهضة الى امكانية ايقاظ مشاريعها لالتهام المشروع الغربي الجريح الذي تمكن السوريون وحلفاؤهم من اصابته بجروح بالغة قبل أن يصل الى جبال طوروس شمالا ليلاقي هلال اردوغان .. وهو الآن يسير كالأعرج متعثرا يتبعه خيط من قطرات دمه النازف ..

في اللوحة الجديدة تبدو تركيا زعيمة الاسلاميين الجدد وحليفة الناتو وصاحبة ثاني أقوى جيوشه ..تبدو أضعف حلقة في هذا الشرق .. فلاهي قادرة على التقدم ولا هي قادرة على التراجع .. وهي ليست قادرة على الحرب من غير الناتو كما أن الحرب تعني نهايتها الثانية .. النهاية التي أوقف حدوثها مصطفى أتاتورك على الحدود الحالية عبر صفقة سرية لم تعد ملامحها غامضة ..ولكن منذ ذلك التاريخ لم يتجرأ الأتراك على المغامرة بالنزول جنوبا .. والهبوط جنوبا سيطلق النهاية الثانية لتركيا ليس لأن أعداءها أقوى منها عسكريا بل لأن الهبوط جنوبا يعني فتح بوابات الذاكرة القاسية وفتح بوابات الجحيم التي أغلقت منذ مئة عام .. بوابات جحيم استيقاظ القوميات والطوائف والأقليات التركية .. التي سترى في أجواء الحرب أجواء أعراس لولادتها ..بوابات قد يخرج منها عبد الله أوجلان من حبسه في سجن مرمرة ربما الى سورية من رحم الربيع العربي ..وقابلات الاستخبارات الكبرى المناوئة لتركيا صارت جاهزة لتلقف المولود ودفعه خارج الرحم ..عندما يحاول أردوغان التوجه جنوبا وهو يلبس ثياب الانكشارية العسكرية ..

الأحزاب الاسلامية في الجزء الثاني من الربيع العربي:

في اللوحة الجديدة، الاسلاميون في بلدان الربيع لم يعودوا قادرين على تصدير بضائع ثورتهم .. والثورات كالبضائع والمنتجات الجديدة تغزو ماحولها من أسواق في موسم واحد حتى تعرف عيوبها فتتعثر تجارتها في الموسم التالي .. وقيادات الربيع العربي باعت بضاعتها المغشوشة ولايريد الناس الشراء ثانية...فهي ليست ثورة فرنسية تمقصل رؤوس الملوك لينهض نابوليون بونابرت بل لينهض أقزام مثل مصطفى عبد الجليل وبرهان غليون .. ولا هي ثورة شيوعية مغلفة بشعارات البلاشفة والمناشفة الانسانية والعدالة وتقتل القياصرة بوحشية .. بل هي ثورة مغلفة بالغموض والشكوك وألعاب الخفة والبهلوانيات الثورية وألعاب المخابرات لتقتل القياصرة القدامى فقط وتأتي بقياصرة جدد لهم لحى وعمائم

الاسلاميون الجدد لديهم مشكلة كبيرة أنهم حملوا على أجنحة المخابرات الغربية وكانوا يعتقدون الحكم أمرا سهلا فاذا بهم يبدؤون الحكم بترك القضايا الصعبة الأساسية من دون تغيير .. وكل شعاراتهم طارت كما يطير سرب من الطيور عند سماع صوت الرصاص ولم يبق الا طائر أصم وأعمى على الأغصان اسمه "الاسلام هو الحل" سيسقط قريبا ببندقية الواقع .. وسيصل الناس في النهاية لاكتشاف أن مافعلته الأحزاب العلمانية لتحقيق المواطنة الحقيقية هي أقصى الممكن لكن تطبيقها تعثر بسبب الثقافة البينية والقبلية والعشائرية والدينية والطائفية التي قتلت العلمانية والدولة الوطنية .. وماسيفعله الاسلاميون هو اعادة تلوين السلطة ذاتها باللون الأخضر وبرموز السيوف المتقاطعة ..لكن لن تتحرك قاطرات الشعوب سنتيمترا واحدا من محطات التخلف .. فقاطرات يقودها قطريون وسعوديون واسلاميون تمسك أعنّتهم المخابرات الغربية لن تتحرك بابتهالات "العقل الحجري" وحشوات الفحم الحجري .. في زمن الوقود الذري ..

وسيكتشف العامة أن الحكم الاسلامي لايتميز عن العلماني الا بانتشار اللحى والواعظين بدل الياقات البيضاء والعابسين لابسي النظارات السوداء وحملة السيكار الكوبي ..أي ستتحول ربطات العنق الى لحى طويلة ..لكن مافي الرؤوس لن يتغير..ومايجب أن يتغير هو ثقافة القبيلة والعشيرة والطائفة والأعراق والأقليات والأكثريات

حتى في ايران الاسلامية هناك علمانية لم تستطع سطوة الثورة الاسلامية الا محاباتها .. وكان من انتاجها حزب الله نفسه الذي يخاطب الناس دينيا لكنه يعمل في السياسة والاقتصاد والاقتصاد بشكل أكثر علمانية من كل الشيوعيين والقوميين العرب .. حتى حزب العدالة والتنمية التركي يدير البلاد بأسلوب علماني لم تعمل به تانسو شيلر ولاأتاتورك نفسه .. وهو مرتبط بالغرب والولايات المتحدة بشكل أكثر مما تمناه أتاتورك نفسه .. ومايريده اسلاميو العرب هو سلطة بلا اسلام ..مثل اسلام أردوغان الذي يصوم ويصلي ويحج لكنه يحارب في أفغانستان مع الغرب ..وهو لايغادر الناتو الذي يرسمنا ارهابيين ويرسم أنبياءنا يتعممون بالقنابل وهم محاطون بالنساء .. وهو يبقى مع اسرائيل .. ويلعب مع جيوشها المناورات العسكرية ويزيد التجارة معها .. ولايزال يقرأ القرآن بأحرف اللاتين .. ولايزال لايعترض على اذلال غوانتانامو وقوانين منع المآذن ورفع الأذان .. لكنه لايزال يريد السلطة

في المرحلة الثانية من الربيع العربي ستتغير أدوار البطولة ..فلا أحد يعرف أين سيكون أردوغان أو بالأحرى من هو رئيس الوزراء التركي الجديد .. ولاأحد يعرف ان كان ساركوزي أو أوباما سيكونان في سدة الحكم بعد انتخابات 2012 في فرنسا والولايات المتحدة .. ويبدو هذا بعيد المنال وفق آراء متطابقة .. ولذلك فان الأبطال الثانويين ستتغير أدوارهم مثل قطر والسعودية .. فالمخرج الجديد والمنتج الجديد يعيدان توزيع الأدوار .. وقد يتم الاستغناء تماما عن خدمات أحدهما مع عائلته !! خاصة اذا شارك في الانتاج الجديد للفيلم روسيا والصين وايران ..

انها أوتاد الله في دمشق وحلب ..فمتى ستورق الأوتاد؟؟ ومن سيورق الأوتاد ...ولمن ستورق الأوتاد؟؟؟



من قلم : نارام سرجون