الفصل الاول:

يوم الاثنين الماضي الموافق 5 نوفمبر انفجرت بضع قنابل بدائية و يدوية الصنع في احد شوارع المنامة مخلفة ورائها قتيلان من العمالة الاسيوية التي تقوم بأعمال التنظيف في البحرين كما هو الحال في معظم دول الخليج و القتيلان هما هندي و بنغلاديشي..

الفصل الثاني: لم تمضى سوى نصف ساعة على الانفجار حتى خرجت الناطقة بأسم حكومة البحرين لتقول بأن الانفجارات و القنابل تحمل بصمات حزب الله و ان المعارضة البحرينية تقف ورائها و ان الاخيرة تتلقى الاوامر من ايران و جهات خارجية اخرى و بررت الناطقة الرسمية لحكومة أل خليفة قرار منع التظاهر الذي كان قد صدر قبل أيام من قبل وزارة الداخلية وفق هذا المنطق. الفصل الثالث: يوم الاربعاء المصادف السابع من نوفمبر اعلنت وزارة الداخلية البحرينية عن قرارها بسحب الجنسية عن 31 مواطن بحريني كلهم من المعارضة و من ضمنهم نائبان سابقان في البرلمان و اعضاء في حركات سياسية معارضة لحكومة أل خليفة في المنامة. وزارة الداخلية قالت انها أتخدت القرار المذكور بناء على مقتضيات الامن الوطني البحريني لان المشمولين بالقرار يمثلون تهديدا لامن المملكة مضيفة بأن قرار سحب الجنسية أخذ بعين الاعتبار التزامات البحرين الدولية لحقوق الانسان مشيرة بالتحديد الى الاعلان العالمي لحقوق الانسان و العقد الاجتماعي و الثقافي و السياسي الصادر عن الامم المتحدة. هل أنتهت فصول المسرحية و التي تبدو لي سيئة الاخراج و الاعداد و التمثيل ؟..

يقينا لا و اجزم ان في خلال اسابيع قليلة سيمكن لنا من اضافة الفصل الرابع و الخامس و هكذا دواليك.. و لكن لندع الاخراج المسرحي الردىء لحكومة المنامة جانبا و لنحلل الحدث بعين محايدة و موضوعية و نحاول أن نستخلص النتائج منه. البحرين كما هو معروف تعيش أزمة سياسية و أجتماعية حقيقية منذ أكثر من عاميين أثر الحركة الجماهيرية الشعبية التي انطلقت من دوار اللؤلوة و أستلهمت ما حدث في ميدان التحرير في القاهرة و العاصمة تونس و كانت تطالب بتحقيق المساواة بين المواطنين و أصلاح حقيقي في نظام حكم فاسد افقر العباد و نهب خيرات البلد و وضعها في جيب الحاكم و حاشيته الفاسدة كما هو الحال في معظم بلدان العرب التي أبتلت بحكام ظلمة خانوا الامانة و أفسدوا في الامة و أهلكوا الحرث و الضرع في بلاد ملاءها الله بالخيرات و البركات.

و بدلا من الاستجابة لمطالب الناس قام النظام بقمع المتظاهرين و هجم على الدوار و الناس نيام و قام بشن حملة غير مسبوقة من القمع و الاعتقالات و التعذيب في السجون و طرد الناس من وظائفهم و محاربتهم في أرزاقهم و أنتهت الى قيام رجال الامن{ و معظمهم مستوردون من الخارج} بأستخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين و سقط أثر ذلك العشرات من الابرياء و من ثم أنتهى الحال أخيرا الى قيام السلطات بسحب الجنسية عن العديد من خيرة رجالات البحرين الشرفاء لا لذنب غير أنهم لم يرتضوا السكوت على سياسيات أميرهم المفدى الذي سرق خيراتهم و عاملهم مواطنين من الدرجة الرابعة و رفعوا الصوت يجرؤن بالشكوى من الظلم الذي لحق بهم..و لا يجب أن ننسى قيام نظام المنامة بأستدعاء قوات سعودية تحت مسمى درع الجزيزة لحمايته و قمع الاحتجاجات الشعبية و كانت الذريعة او الحجة لاستدعاء هذه القوات هو حماية البحرين من اعتداء خارجي {لا بد أن يكون أيرانيا} رغم أن المنامة تستضيف القاعدة البحرية الامريكية للآسطول الخامس و هو كفيل بمراقبة أيران و كل الخليج علاوة على توفير الحماية لنظام أل خليفة الكرام.. و عودة الى المسرحية ذات الاخراج الردىء..

أن أي مراقب منصف للآحداث لا بد و أن يلحظ الى أن الحراك الشعبي في البحرين كان سلميا بأمتياز{بل أن بعض المراقبين قال أن الحركة سلمية أكثر من اللآزم} و لم تجنح المعارضة طيلة سنتين من الاحتجاجات الى العنف و هي قادرة على ذلك و على الرغم من القسوة و العنف الغير مسبوق من قبل السلطة.. و من ثم ما مصلحة المعارضة في مقتل عامل هندي {غلبان} أو بنغلاديشي قدم الى المنامة بحثا عن رزقه و رزق عياله و أي مكسب سياسي او أعلامي ستحققه المعارضة من أنفجار بضع قنابل بدائية {تكاد تكون صوتية} لا تسمن و لا تغني سياسيا او أعلاميا..

المنطق يقول بأن الفعل السياسي لا بد و أن يكون ذو هدف و الا تحول الى عبث و لعل الجميع على قناعة بعبثية أستهداف عامل نظافة أسيوي لا ناقة له و لا جمل فيما يجري على أرض البحرين.. النقطة الثانية في تحليلنا هذا يسلط الضوء على تصريح الناطقة الرسمية للبحرين و التي لم تترد بأتهام حزب الله و المعارضة البحرينية و أيران و بعد مرور نصف ساعة فقط لا غير و حملتهم مسؤولية الانفجار.. و كل الذي أطلبه من أبواق الانظمة العربية { و السيدة المبجلة أعلاه من ضمنهم} هو أحترام عقول الناس و عدم أستغفالهم و التعامل معهم على أساس انهم جمع من الاغبياء..

فهل يعقل أن يصدر مثل هذا الاتهام الخطير من السيدة رجب و بدون أية أدلة و كيف أستطاعت سلطات البحرين و لم يمض على الانفجار سوى دقائق معدودة من التوصل الى هوية الفاعل بل و نوعية القنابل التي أستخدمت و أنها تحمل بصمات حزب الله اللبناني و قطعا أن السيدة الناطقة الرسمية لا تملك كرة بلور سحرية لكي تستشف من خلالها الماضى و الحاضر و المستقبل.. و المضحك المبكي في الامر و الذي يمثل قمة الاستغفال هو ان الناطقة المحترمة تريد منا أن نصدق أن حزب الله الذي صنع و أرسل قبل أيام قليلة طائرة بدون طيار فوق أسرائيل لا يملك من القدرة و التكنولوجيا الا أن يصنع قنبلة بدائية تكاد أن تشبه قنابل المولوتوف و تأثيرها صوتي لا غير و تستهدف فقط الهنود و البنغلاديش.. أن أقحام أيران و حزب الله في موضوع التفجيرات أفلاس سياسي و أعلامي و لا اعتقد أن عاقل يصدق مثل هذه الرواية.. الفصل الثالث كان الاكثر رداءة و أخراجا.. أن السرعة في أصدار قرار سحب الجنسية من 31 مواطن بحراني و بعد أقل من يومين من التفجيرات لا تترك مجالا للشك بأن السلطات كانت قد أعدت و رتبت هذه القائمة من الاسماء و أختارت الاشخاص الذين ستسحب عنهم الجنسية قبل مدة من الزمن و ان أعلان القرار كان متوقف على المسرحية سيئة الصيت أياها..

فمن خلآل المعلومات المتوفرة فأن بعض المسحوب عنهم الجنسية لم يكونوا في البحرين أصلا أثناء وقوع الانفجار و قسم أخر كان قد أعتقل و أطلق سراحه لعدم ثبوت الادلة و أخرين شردهم النظام أصلا و هو هائمين في اصقاع الارض بلا وطن يأويهم و قد لفت نظري الى أن أثنين منهم كانوا نواب في البرلمان { أي أنهم كانوا يمثلون شعب البحرين و تم أنتخابهم من قبل مواطني البحرين} و لا أدري كيف سيخرج نظام البحرين مسرحية أخرى تقول للناس بأنكم أنتخبتم أشخاص أتضح فيما بعد أنهم ليسوا بحارنة بل من جزر الواق واق.. المضحك و المبكي في بيان وزارة الداخلية هو اشارته الى الاعلان العالمي لحقوق الانسان و العقد الاجتماعي و السياسي و كلاهما لا يسمح بسحب الجنسية عن المواطنين و أود أن اشير في هذا الصدد الا ان القانون الدولي و عبر الامم المتحدة عالج موضوع عديمي الجنسية وفق اتفاقيتين دوليتتين و هما اتفاقية العام 1954 حول وضع الاشخاص عديمي الجنسية و أتفاقية العام 1961 و الخاصة بتقليل حالات عديمي الجنسية و خاصة معالجة وضع اولاد هؤلاء و أحفادهم و البحرين {لعلم وزارة الداخلية و السيدة الناطقة الرسمية بأسم الحكومة} لم تصادق على كلا الاتفاقيتين.

و أمعانا في شرح القانون الدولي الانساني أود أن أشير الى أن الاشخاص عديمي الجنسية تنطبق عليهم معايير اللجوء الدولية و التي جاءت في اتفاقية جنيف لعام 1951 بمعنى أن البحارنة الكرام الواردين في القائمة السوداء اصبحوا لاجئين في أرضهم و هم بين أهلهم و أن المتواجدين منهم خارج البحرين يحق لهم طلب اللجوء من سلطات البلد الذين يقطنون به و لعلم الجميع { و خاصة وزارة الداخلية و السيدة الفاضلة الناطقة بأسم الحكومة البحرينية} فأن البحرين لم توقع ايضا على أتفاقية الامم المتحدة للعام 1951..

الخلاصة التي أود أن أصل اليها أن أشارة بيان الحكومة الى القانون الدولي و معايير الامم المتحدة نكتة سمجة و لعل الذي كتب البيان لا يفقه شيئا في القانون الدولي و لم يطلع على الاتفاقيات التي أشرنا اليها أعلاه. و لن أدخل في هذا المقال في قانونية سحب الجنسية وفق القانون البحراني لان ذلك يتطلب مقالا و بحثا منفصلا و قد نعود له في المستقبل أنشاء الله و لكن المعروف أن سحب جنسية أي مواطن و في أي بلد قرار خطير و لا يمكن أن يتم بجرة قلم و بدون أجراءات قضائية وافية لان الجنسية ليست منحة من الحاكم يمنحها لمن يشاء و يسحبها عمن يشاء بل هي حق مكتسب و وفق دستور البلاد كما أن مواطنا ولد هو و أجداده في تلك الارض و عاش فيها و نبت في أرضها لا يمكن للحاكم أن يقتلعه منها.. أن تاريخ المنطقة العربية يحمل تاريخا أسودا في موضوع منح أو سحب الجنسية عن المواطنين و يؤكد الفرضية القائلة بأن الحكام العرب ينظرون الى أن الجنسية منحة أو مكرمة يمنحونها لمن يشأون و ينزعونها عمن يشأون كما هو الحال في البحرين الان.. و المنطقة معروفة بظاهرة عجيبة غريبة لم أسمع بمثيلها في بقاع الارض و هي ظاهرة{ البدون} و هؤلاء مواطنون أب عن جد و لكن لا يحملون جنسية البلد.. لماذا ؟

لا أحد يملك جوابا واضحا و الكل يعترف بأن هؤلاء و أغلبهم متواجد في الكويت و الخليج العربي و العراق يمثلون قنبلة زمنية موقوتة و لكن لا أحد يجرؤ على أتخاذ الاجراءات اللازمة لحلها و أبعاد خطرها عن المجتمع.. و من أسوء الامثلة على سحب و أنتزاع الجنسية ما قام به النظام البعثي البائد في العراق عندما أبعد و شرد مئات الالاف من العراقيين و خاصة الكرد الفيليية الى أيران و تركيا في خلال السبعينات و الثمانينات من القرن الفائت.. كما أن ذات النظام البعثي و لكن هذه المرة في سوريا حرم على الالاف الاكراد الجنسية السورية و تركهم للضياع يبحثون عن هويتهم بين جبال كوردستان العراق و تركيا و سوريا..

و في منطقة الخليج العربي يحضرني الان قيام دولة الامارات العربية بسحب جنسية ستة نشطاءسياسين في الماضي القريب و الطريف أنه تم أبعاد واحد منهم الى تايلاند بجواز سفر صادر من جزر القمر و يبدو لي أن السلطات الاماراتية قد أتعبت نفسها كثيرا في ترتيب شراء هذا الجواز العظيم و كان يكفي أن تذهب الى سوق مريدي {سوق في العاصمة العراقية بغداد قال لي أحد الاصدقاء انك تستطيع شراء أي جواز سفر بمبلغ لا يزيد عن عشرين دولار} توفيرا في المصاريف و حرصا على اموال الدولة.. و يبدو أن البحرين تملك تاريخا في سحب جنسية مواطنيها أذ أن السلطات قامت بسحب جنسية الشيخ و الزعيم البارز عبد الرحمن البكر في العام 1954 و أبعدته مع أثنين أخرين الى جزيزة سانت هيلانه في الاطلسي {و لمن لا يعرف فانها ذات الجزيزة التي كانت منفى نابليون بونابرت و مات فيها}.. الخلاصة هي أن السلطات في البحرين و بقرارها الاهوج هذا تود أن تفرض معادلة جديدة في صراعها مع شعبنا في البحرين: أما أن تغلق فمك و تخرس و الا سأسحب الجنسية عنك و أشردك في بقاع الارض و ينتهى بك الامر الى جزيزة سانت هيلانه.. و لك الخيار اما المنامة او سانت هيلانه.. و كفانا الله شر من يتولانا



من قلم : د. علي طه