رنّ البارحة في أذني صوت "السيد" آتٍ عبر التلفاز و هو ينادي على روح الشهيد صلاح غندور قائلاً له:" علّمهم يا صلاح عن الارواح المولعة...", فردّت عليه فوراً سريرتي هامسة "فلتعلمهم انت يا سيدي في يوم الشهيد غداً ما معنى الشهادة", فنحن عشاق صدقك و عذب حديثك و عمق دروسك مللنا تمثيلهم و تقززت نفوسنا من زيف مشاعرهم لأنهم أرهقوا فطرتنا بكذبٍ صدّقوه فأغرقوا أذاننا بطنينه المزعج و آذوا اعيننا بقبحه و نحن نراهم وإياك يفترون على الشهادة بفتاويهم و يذبحونها بإرهابهم و يقهرونها بجهلهم و يلوّثونها بكفرهم و يجرجرونها غصباً عنها إلى غير اماكنها فيسحلونها خلفهم في أزقة العمالة و ينحرونها بكل ثقة و هم فوقها يكبرون طالبين إذن الباري ليقطعوا اوردتها تماماً كما يفعلون وهم يقتلون الابرياء الآمنين في بلادنا وهم يعتقدون مصدقين لغبائهم انهم إن ماتوا سيحتسبون شهداء عند الله فقط لأنهم ذكروا الاسم المقدس على المنحور الذي ألحقوه بركب الشهداء و هم يعملون سكاكينهم في رقبته تمثلاً بفعل وليّهم الشمرّ اللعين ناحر جدك الحسين عليه منا و منك سلام الله ما بقينا و بقى الليل و النهار.

فعلًمهم في يوم الشهيد يا سيدي... و علّموهم يا مؤمني حزب الله و يا أبطال المقاومة السائرين بنا بقوافل نصركم المؤزر بالشهادة و المسدد برضا الله عز و جل ماذا تعني الشهادة؟ و اشرحوا لجهابذة السياسية المتباكين على جثث قتلاهم من متعاملين و متآمرين و متاجرين بالعباد وسارقين لأرزاقهم كيف ان الشهادة هي قيمة لا تقدر و لا تثمن ولا تكتسب بين ليلة و ضحاها , و كيف انها ليست بضاعة للمتاجرة و كيف انها مشروع إيثار و ليست منتج في سوق العرض و الطلب السياسييّن و كيف انها منحة الله لأحبابه المحبين الصادقين و كيف أنها ليست كلمة تُدشّن بها المنابر السياسية المشبوهة الساعية لنيل العروش و مقاعد السلطة و لتمرير القرارات الدولية و المؤامرات الصهيونية.

علّمهم يا "سيد" في يوم الشهيد, علّم السائرين في جنازات ضحاياهم ان الشهادة ليست نيشان يحفره الخائنون على قبور زملائهم العملاء المتآمرين و المتعاملين السافكين لدماء الآمنين في منازلهم و النازعين الاطفال المطمئنين من احضان امهاتهم بالموت و إن كان قتلهم لهم أتى على ايدي ارهابيين استأجروهم حتى لا تطال الدماء اياديهم القاتلة النتنة التي ستظل على قذارتها تقطر بدم الضحايا و لو عن بعد و لن يطالها ابداً التطهر بالموت اغتيالا لأنها ستظل على حقيقتها في نظر الشهادة ايادٍ آثمة لمرتكبي الاعدامات المنظمة الجالبة على فاعليها الرزق السياسي المسكن ابنائهم في القصور و الرامي بضحاياهم في القبور.

علّمهم يا "سيد" كيف ان ليس كل من مات ضمن حدود الوطن شهيد و كيف ان ليس كل من فار دمه على ترابه فلوّثه به من قذارة خيانته و عظيم كفره شهيد , وكيف ان الشهادة تاريخ و سيرة و ليست حاضراً و صدفة و كيف ان الشهادة تنادي على العمل الصامت المجاهد المتواضع الذي ينتظرها كحبيبة له بصبر الآملين و بشوق العاشقين و بلهفة الروح للقاء خالقها فتأتيه الشهادة باحثة عنه بجد المنقّبين عن الجواهر الثمينة فتميّزه من بين آلاف المجاهرين بحبها فتعرف انه من تريده و يريدها من عيون له اضناها بكاء الخشوع و من جسده الذي هدّ متنه بعده عن كل ممنوع و من روح تتلألأ كالبدر في تمامه فلا ينال ضيّ شعاعه إلا من كان بدراً مثله أو إلى الله مثله شد أزمة القنوع.

علّمهم يا سيدي في عرس الشهادة و الشهيد ان الشهادة تعرف طلّابها من مراسلات جرت بينها و بينهم مسبقاً و من بوحٍ لهم بثّوها إياه في كحل الليل همساً و اعلنوه لها في ضوء النهار جهراً. علّمهم يا اصدق الناس ان الشهادة لا تنتقي بالصدفة احبابها و كيف ان لغة التواصل بينها و بين عشّاقها بنتها خلجات قلوبٍ لهم تنبض في كل ثانية بالحب لها و رسمت حروف ابجديتها جماجم لهم اسكنت طاعة الله حنايا فكرها وأرست قواعد صوغها أرواح لهم انار الله دربها لتهدي عند آجالهم من عنها يبحثون فتسرع إليهم بلهفة المشتاق لتهديهم طيب عطرها المشتهى و لتلبسهم بطمأنينتها سكونها المرتجى و لترسم على ثغورهم قبلات الحور كفراشات تلامس شفاههم بخفيف ثقلها فتمنح بشهادتهم و بجليل حضورها ثكالى ديارهم عرساً يسكن منازلهم وطمأنينة تسكّن خواطرهم و يقيناً يبشّرهم بان شهداءهم خالدين عند ربهم في ديارٍ لا يطال ظلالها إلا من زهد بدنياه ليستظل بها.

علّمهم في يوم الشهيد يا سيدي و زد لهم بالشرح و قلّ لهم ايضاً كيف ان الشهادة من انتقت حزب الله لتقوده إلى النصر و لتعلي شأنه و انه ليس هو من خطط لاختيارها سلّماً له يرفعه إلى سدة السلطة او إلى عرش الحكم و انه لو كان من المستغلين لها لسلبته هي النصر و مجده و لرمت على اتباعه الموت من دون وهج الشهادة و نورها الوفي لأصحابها. و قل لهم يا سيدي ان الشهادة هي من اختارت اهل الجنوب و البقاع ليشرّفوها بإيمانهم الذي لقّنهم اياه كلٌ من قائد نهجهم المقاوم سيد الشهداء الكربلائي و مولاهم و معلمهم اخلق الخلق القرشي الهاشمي المحمدي و ربيبه و اخاه و صهره و صاحبه الذي كرّم الله وجهه بنور ايمان لم يشبهه ايمان احد فما شابه الشك قط و كان مثال الاستشهاديين للمقاومين بدليل نومه في سرير النبي ليفتديه.

علّمهم في يوم الشهيد يا سيدي ان الصدق فقط من يجلب النصر و العز و ما نيل الشهادة إلا الدليل على الصدق في الإيمان. و علّمهم ايضاً ان شهوة السلطة تنفّر الشهادة منها و من اصحابها فلا تمنحهم نسبها عند الممات و لا تمسح و لو قليلاً على رؤوس من استماتوا ليتحكموا بأرزاق العباد. علّمهم يا سيدي في الغد ان الشهادة تحب من العاملين في الشأن العام من عمل بإخلاص الراعي لرعيته و ليس من تكالب عليها بجشعه ,و علّمهم كيف ان الشهادة تمقت بشدة الراكبين ثقة الناس ليسلبوهم كراماتهم بخيانتهم للأمانة ببيعهم لها في سوق النخاسة الصهيوني.
علّمهم يا سيدي في يوم الشهيد علّمهم و لكن هيهات ان يُكتب لهم في الغد التعلم و شرف الاستماع لمقالك ليتفقهوا و لو قليلاً بمعنى الشهادة و لينالهم القليل من درر علمك و سعة صدرك , فهم اتقنوا يا سيدي فن الاستماع لكلامك بغباء المتشدقين بعده بهجائك و الساعين عبره إلى بعض الشرف يستمدوه من وهج تناولهم لاسمك في ردهم على خطابك و ذلك من دون ان تدركهم جواهر رميتها عليهم بالمجان فأضاعوها من حقدهم الاعمى فبدوا كمن ختم الله على قلوبهم و كتب عليهم الذل إذ ابتلاهم بخصم بمثل مقامك لا تزيده كثرة التطاول عليه من مبغضيه إلا ولاءً و حباً له في قلوب محبيه و رفعةً له في الشأن عنوانها سحب انتصارات تظلله و قبضات رجال تلبي له النداء و كلاب مبغضة تنبح على قوافل عز سيّرها بصدقه ردّت على اللبنانيين الكرامة و اعطت العالم دروساً في المقاومة



من قلم : مريم الحسن