د.رغداء مارديني:

لم يكن ذاك الهاتف السريع الملهوف الآتي من بلاد الضباب، وحصراً من جريدة «الغارديان» البريطانية، مقصوداً بما يعنيه من فهم آفاق وأبعاد وأهداف أزمة طالت سورية وشعبها.

وعندما وصلني«السنترال» بخط الهاتف، سرعان ما كانت صاحبته على الطرف الآخر، تحدثني وبأسلوب الرجاء الممزوج بالمعرفة، بأن أتحدث إليها وأساعدها في الحصول على أرقام أناس عاديين يحكون لها حقيقة ما يحدث في سورية... وعندما قلت لها: إنني قد تابعت ما نشرته أعرق جريدة بريطانية وقرأت أغلب ما كانت تكتبه «أو بالأحرى تلفقه وبالوثائق» على مدى سنة وثمانية أشهر من عمر الأزمة، والذي بدا لي ولغيري أنه يعتمد العين المقلوعة، بما يعني ذلك العين الواحدة، والرأي الواحد، وبخاصة من أولئك المتبرعين الكثر الذين اعتاشوا على ضبابية الرؤية وترويجها.. فما كان منها إلا أن قالت لي: نحن بأمسِّ الحاجة إلى الصوت الآخر، حتى تكتمل النظرة إلى حقيقة الوضع.

قلت لها: وهل سياسة جريدتك ـ كإعلام غربي ـ تسمح بنقل «الرؤية الحقيقية» ضمن هذا التكالب الكوني على طمسها، وتفرز الأكاذيب الإعلامية وتلفيقها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا..

فأجابت, بحلفان اليمين، بأنها ستنقل الحديث كما هو، فقط جربوني.. ولأن المجال والفبركة والكذب لم تعد تسمح بالتجريب، بمقدار ما تسمح ذممهم بالتحريف، كان ختام حديثنا بأنكم في «الغارديان» غامرتم بسمعة جريدتكم وتركتم الحقيقة فيها عوراء..

ومع أنني لا أعرف لماذا بدأ العد التنازلي باللهاث لمعرفة ما يجري من طرفه الآخر، وإن كنت أشك في ذلك، لأن ما يحدث أكبر من أن يحكى, وأكبر على المخططين له من أن ينالوا مرادهم.

ولأن التضليل سياسة الضعفاء والمأجورين، فهو تالياً سياسة من مّهد واستنطق صغار الربيع العربي، من الأدوات، بما قرب منها وما استبعد..

أما كيف استبعدت الصحافية المضللة «جوديت ميللر» بلداً مثل المغرب من أن يطولها«الربيع» نظراً لما تعرفه من سيطرة اللوبي واليهود على مفاصل تلك المنطقة تحت الغطاء الملكي العربي، وهي التي ساهمت في حرب التضليل في العراق وكانت اليد الكاذبة اليمنى لديك تشيني..؟

استبعاد، هو اشبه بمطالبة المجلس الأعلى لليهود باستبعاد الفيلسوفة الأميركية اليهودية «جوديت باتلر» واحتجاجه على قرار اللجنة الذي منحها جائزة (أدورنو) قائلاً: (إنه لمن المثير للسخط أن يقع الاختيار على باتلر لنيل هذه الجائزة وهي الشخصية التي تدعو إلى مقاطعة «إسرائيل».) وعلى الرغم من الرد الذي قدمته باتلر نفسها في مقالة نشرتها صحيفة الجيروزاليم بوست مؤخراً قائلة: « إنني أدعو إلى يهودية غير مرتبطة بعنف الدولة, ففي الولايات المتحدة ذهلت من عدد اليهود الذين يسعون إلى التنكر ليهوديتهم لخيبة أملهم في السياسات الإسرائيلية بما فيها الاحتلال, وممارسات الاعتقال غير محدد الأمد, وقصف المخيمات المدنية في غزة..».

طمس صوت باتلر, هو الطمس نفسه الذي مارسه الأميركيون أنفسهم في العراق عندما نقلوا (16) صندوقاً من المخطوطات والمؤلفات والكتابات عن التوراة, كما قال نائب عراقي لأنباء موسكو من أن أميركا قامت بسرقة الأرشيف اليهودي بطريقة محترفة وسلمته لـ«إسرائيل»، وذلك عام 2007, وبذلك -كما قال- لقد أخذوا أفضل مرجعية لوجود اليهود في الشرق كي تقول الدعايات بأنهم كانوا مسحوقين في الشرق كله..

والأهم من ذلك, أن «البروباغندا الإسرائيلية عن الاضطهاد التاريخي لليهود في المنطقة ستزداد، من الآن وصاعداً, لأن الوثائق الحقيقية التي تثبت العكس باتت في أيديهم اليوم».. وليصبح التضليل في ذلك مدموغاً بالأرشيف والوثائق أيضاً!!