فواز بن حمد الفواز

عملية تسعير سلعة ناضبة معقدة في أحسن الأحوال، خاصة عندما يكون العامل السياسي حاضراً بقوة مثل النفط. كل هذا معروف، لكن الجديد في تسعير النفط هو مدى حاجة الدول المصدرة، خاصة تلك الدول التي لم تقلل بعد من الاعتماد على النفط لتمويل ميزانياتها فتنامت حاجة هذه الدول إلى التمويل في ظل تزايد المطالبات الواقعية وغير الواقعية على خلفية سياسية في كثير من الدول النفطية. هذه الخلفية جعلت الحاجة إلى مستوى عال من المصروفات الحكومية عاملا أكثر إلحاحاً لحدوث تطور جديد في اعتماد السياسات النفطية على مستوى المصروفات الحكومية.

اعتيادياً مصروفات الحكومة يغلب عليها خاصيتان؛ الأولى أنها في تزايد؛ والأخرى أنها جارية وثابتة بينما تعتمد على أسعار نفط طابعها الأساسي التذبذب، تاريخياً في المتوسط يزيد وينقص سعر النفط بنحو 25 في المائة في السنة الواحدة. في المملكة اضطرت الحكومة إلى زيادة التوظيف الحكومي بعدما فشلت سياسة التوطين الأولى عام 2001، وها نحن نعيد الكرة مرة أخرى بزيادة مؤثرة في توظيف الحكومة وزيادة مؤثرة في البنية التحتية (حيث تتبعها زيادة مطردة في التشغيل والصيانة).

طبقاً لدراسة مقارنة أعدها علي اليوسي في Api.corp فالسعر المرادف لحاجة المملكة إلى تمويل الميزانية يصل إلى 94 دولارا للبرميل بينما يصل إلى 124 لإيران و110 للعراق و70 دولارا للكويت و50 دولارا لقطر.

في ظل احتياطيات مالية تصل إلى 550 مليار دولار ومركزية المملكة النفطية (قدرتها على لعب دور أساسي في تسعير النفط)، وتوقع أن تخف وطأة تعويض احتياجات البنية التحتية بعد سنوات قليلة، تظل المملكة في وضع أفضل عدا المقارنة مع قطر أو الكويت. يقابل هذه العوامل الإيجابية تباطؤ المملكة في السيطرة على نمو الاستهلاك الداخلي (في النفط وغيره)، ومحدودية النجاح في سياسات التوطين وتنامي المصروفات الحكومية الثابتة، وعدم الوعي بالمتطلبات غير المنظورة، مثل تنامي الفجوة لدى صندوق مؤسسة التقاعد في ظل إدارة متواضعة، خاصة في ظل ظاهرة تزايد الموظفين ذوي الرتب العالية.

قرب صدور الميزانية يجعلنا نركز الأذهان مرة أخرى على الحاجة الماسة إلى سياسة اقتصادية قادرة على تفعيل نموذج جديد قادر على التفريق بين المال والإنتاج وتزايد التوظيف الحكومي، واختلاف ذلك عن سياسة توطين ناجحة، والتفريق بين الاستهلاك والاستثمار. ما تحقق في المملكة مثل وصول مبيعات شركة سابك إلى نحو 50 مليار دولار واحتلالها المركز الثالث عالمياً بين مصنعي البتروكيماويات في العالم فخر لنا جميعا، لكنه لا يكفي لإنقاذ الاقتصاد الوطني.

تذبذب أسعار النفط إعاقة واضحة لأي تخطيط، وبالتالي حاجة الدول النفطية إلى مزيد من إجراءات استباقية في سياساتها الاقتصادية. تزايد دور المصروفات الحكومية كمعيار مهم في سياسة تسعير النفط تطور جديد يجب التوقف عنده؛ وقد يكون نذيرا بارتفاع مستوى المخاطرة السياسية في المنطقة، وعلى السياسات التنموية والاقتصادية لهذه الدول. وحتى إعلان ''أرامكو'' أن المملكة ستستطيع تقليل الاستهلاك في عام 2014 على أثر اكتشاف غاز جديد لن يغير المعادلة كثيراً، لكن قد يشتري بعض الوقت وفي الأخير لن يكون بديلاً عن منظومة سياسات حصيفة لإيجاد التوازن الصحيح بين مصالح الأجيال ومواجهة الاستحقاقات الاقتصادية والضغوط المالية. ليس لدي توقع عن أسعار النفط، لكنني متأكد أنها لن تخدمنا دائماً وقد يكون ارتفاعها خادعاً لنا في تأجيل سياسات إصلاح اقتصادي ضرورية وسريعة.