نعيش اليوم، وبكل فخر واعتزاز، مع عصر وحقبة جديدة من اللامعقول والعبث العربي المضحك بحث صار أفضل تفسير لمفردة الديمقراطية كما عرفناها، وتعني حكم الشعب، وتتألف من مقطعين ديموس ويعني الشعب، وكراتس ومعناه سيادة أو حكم، هي الديموخراسية، أي إسكات وإخراس الشعب. وهذه الديمخراسية، إأي إخراس وإسكات الشعب، لا تنطبق، فقط، على الدولة القهرية الشمولية والعسكريتارية الفاشية العشائرية الأبوية القمعية البوليسية كما عرفناها في النصف الثاني من القرن العشرين، لأن هذه المنظومة العسكريتارية تبنت الديموخراسية منذ بداية تكونها ونشأتها، بل تنطبق على تلك الدول التي تنعمت فيه ببركات الربيع العربي، أو تلك التي أصبحت حوامل وحماماً زاجلاً يحمل الحرية إلى شعوب المنطقة في الوقت الذي لا تمتلك فيه أبسط مقومات الدولة الحديثة فما بالك بالحكم بآليات تلك الدولة من تعددية وانتخابات حرة ومجالس منتخبة، ...إلخ. وقد كانت قطر والسعودية، مثلاً، من أعلى الأصوات صخباً وضجيجاً في الأزمة السورية الحالية، وأكثرها حماساً لحرية الشعب السوري، وتوريد "الديمقراطية" والتعددية له، في الوقت الذي تمارسان فيه أعتى أشكال "الديموخراسية" بحق شعبيهما.

ولا يوجد فيهما أي نمط من أنماط حرية التعبير والتفكير الحر، بحيث أصبحتا رمزين للديموخراسية بأرقى تجلياتها، ومن دون أن يستثير هذا الأمر أية حساسيات "ديمقراطية" حقيقية في الغربي التنويري راعي الثورات العربية في الجمهوريات الاستبدادية فقط. وحين أتي الرئيس محمد مرسي بالإعلان الدستوري، لم يكن في الحقيقة يؤسس سوى للدولة "الديموخراسية" الأولى بعد الربيع العربي، حيث حاول تنصيب نفسه فرعوناً جديداً على مصر و"إخراس" الشعب وتكبيله ومنعه من انتقاده، وحصر كل الصلاحيات والسلطات "الإخراسية" الأخرى بيد الفرعون، عفواً الرئيس الضرورة والزعيم الأوحد. ومن جهة أخرى، فقد أخذت الحمية الشاعر القطري محمد بن الذيب العجمي، وصدق مزاعم الجزيرة وخطابها، وشهود العيان في سوريا، وثورتهم من أجل الحرية والديمقراطية، في ذروة هذا المد "الديموخراسي" فكتب قصيدة عصماء في انتقاد الأسرة الحاكمة في قطر والتغني بالديمقراطية الحقيقية ورغبته في أن يعرج الربيع العربي على الإمارة الغازية، فما كان من "الديموخراسيين" في قطر إلا ممارسة "الديموخراسية" معه وزجه في السجن المؤبد، وبانتظار حكم الإعدام، نتيجة للتهم الموجهة إليه وعقوبتها الإعدام، أي الإخراس للأبد.

واليوم يحمل لنا الأثير الفضائي خبراً "ديموخراسياً" آخر من بلد "ديموخراسي" آخر، هو مملكة آل سعود، حيث تمت إحالة الناشط رائف بدوي، المعتقل أساسا بتهم عقوق الوالدين وتأسيس الشبكة الليبرالية على الإنترنت، إلى المحكمة العامة بـ"تهمة الردة"، وعقوبتها الإعدام. وقالت مصادر حقوقية إن "قاضي المحكمة الجزائية في جدة أمر خلال جلسة الاثنين بإحالة رائف بدوي إلى المحكمة العامة، نظرا لعدم اختصاص محكمته النظر في قضيته قائلا "لا استطيع أن أحكم بالردة".

وينشط بدوي خصوصا للحد من تأثير المؤسسة الدينية على الحياة العامة في المملكة. وتعاقب المملكة التي تطبق الشريعة الإسلامية بشكل صارم المرتدين بالإعدام. (سكاي نيوز عربية). إذا كانت الثورة الفرنسية وربيع العرب، بعد حقب الاضطهاد والعبودية القروسطية الكنسية الكهنوتية قد أزهرت الديمقراطية الغربية بشكلها المعروف، واحترام حقوق الإنسان، فإن ربيع العرب، وكل الحمد والشكر لله، قد أزهر "ديموخراسية" لإسكات الشعوب التي أرادت ذات يوم "إسقاط الأنظمة" الديموخراسية، ولذا يحق لنا أن نتوج العرب اليوم كسادة لـ"الديموخراسية" وانتهاك حقوق الإنسان.



من قلم : نضال نعيسة