نارام سرجون:

ماذا يمكن أن تقول اللغة لمدينة اسمها حلب؟؟

اللغة تطأطئ رأسها خجلاً.. واللغة تمسك بباقة الورد وهي ترتجف وترتدي وشاحاً أسود وثياباً سوداء وتنحني لحلب.. هل نترك اللغة تنشج وتبكي وتلبس السواد؟؟.. وهل نترك عيون هذه المدينة العظيمة تغمرها الدموع.. أم نمسح خدودها ودموعها بأصابعنا ونعانق حلب عناقاً طويلاً.. طويلاً؟..

الكلام كلّه جريح.. لأن حلب جرحت.. والله نفسه جريح لأن ابنته جرحت..

هذا الجرح الحلبي يتمدّد على طول القلب.. من شماله إلى جنوبه.. ومن غربه إلى شرقه.. وفي جرح حلب العميق يتدلّى جسد المسيح.. وكل الأنبياء الذين قتلهم البشر.. ومن ينظر إلى الأرض الآن من السماء فسيجد أن وجه الأرض منقبض متألم.. وأن هذا الكوكب العظيم يلفّ رأسه بضماد في بقعة دامية حمراء اسمها حلب..

اللغة تنشج وتبكي ثم تركع على ركبتيها.. وتغالب العويل.. كما بكت امرأة أمام الصليب الذي حمل يسوع الناصري وهو ينزف.. ويقول: ايلي.. ايلي.. لم شبقتني..

هل نقف كلّنا اليوم أمام صليب عليه مدينة بيضاء تنزف من الشوك على جبينها الأبيض.. مدينة اسمها حلب.. وتقول: الهي.. الهي.. لم شبقتني؟؟.

هل نترك حلب على الصليب؟؟ ونترك لها الوالي والولاة.. وبرابرة الشريعة؟؟..

هل ننتظر أن تفدينا حلب وتحمل ذنوبنا؟ وتمحو آثام هذا الشرق بدمها؟..

أما آن لهذه المدينة أن تقوم.. ونقول: إن حلب قد قامت؟؟.

ما سمعته هذا اليوم من أهل حلب يجعلني أقول إن أهل حلب هم أعظم البشر.. وأن أهل حلب هم من كانت تتحدث عنهم الأساطير الإغريقية.. كيف يكون لدينا مدينة كحلب وشعب كشعب حلب.. ولا نباهي به الدنيا؟ بل كم مدينة مثل حلب في هذا الكون؟.. وكم نحن مقصّرون في معرفة هذا الشعب البطل؟؟.. كيف لا نكتشف أن حلب هي خلاصات المدن المقاتلة وخلاصات العصور والعطور والدهور.. ماذا تساوي لينينغراد وستالينغراد أمام هذا التحدي الحلبي المذهل؟.. وهذا العناد الذي لاتجيده الا مدن بناها الأنبياء.. ويقتل فيها الأنبياء..

كم ستغار ذاكرة المدن عند ذكر حلب.. في زمن سيقف العالم كله يتعلم اللغة ويتعلم البطولة ويتعلم كيف تقوم المدن من بعد صلبها.

اسمعوني جيداً.. وتذكروا هذه العبارة:

إن حلب قد قامت.. إن حلب قد قامت.