وفّر مناخ الحريات السياسية في تونس بعد سقوط نظام بن علي الفرصة لمختلف التيارات للظهور والتعبير عن آرائها بعد أن كان بعضها مغيّبا تماما عن الساحة. وكان التيار السلفي أبرز تيار استفاد من المناخ الجديد بعد غياب شبه تام حتى أن البعض اعتبره ظاهرة مستوردة. في دراسة نشرت بمجلة سياسة الشرق الأوسط "مجلد 19، رقم 4، شتاء 2012" يتناول الباحثون ستيفانو تورلي، وفابيو مرونه، وفرانشسكو كفاتورتا الظاهرة السلفية في تونس ويبيّنون التحديات التي تطرحها أمام المجتمع التونسي.

منصف الخروبي

يقدّم الباحثون للموضوع بالإشارة إلى أنّه منذ نجاح انتخابات أكتوبر-تشرين الأول 2011 في وضع البلاد التونسية على درب الديمقراطية لم تعر وسائل الإعلام اهتماما كبيرا للبلد الذي انطلقت منه شرارة ما يسمي بظاهرة "الربيع العربي". وانتقل التركيز إلى دول ذات أهمية جيوستراتيجية أكبر مثل مصر، وأخرى لديها إمكانية لإحداث انفجار إقليمي مثل سوريا. ثم إنّ هناك شعورا بأنّ الوضع مستقر في البلاد التي نجحت في الانتقال نحو الديمقراطية بطريقة ناعمة على عكس الوضع في مصر واليمن وليبيا. واقتصر بعض الاهتمام الإعلامي الذي أعطي لتونس مؤخرا على شبح السلفية.

أدّت الانتفاضات العربية إلى فوز الإسلاميين في الانتخابات على حساب القوى الليبرالية والعلمانية، ويعقّب الباحثون بأنّ ذلك لم يعد يمثل إشكاليّة مثلما كان الأمر في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات التي شهدت استعداد جبهة الإنقاذ للحكم في الجزائر. وذلك يرجع إلى أنّ الحركات الإسلامية مرّت بعملية تعديل في مواقفها، والكثير منها تتبنّى آليات الديمقراطية وتساند حقوق الإنسان الأساسية.

لكن صعود الإسلاميين لا يقتصر على هذه الحركات بل يضمّ الحركات السلفية بمختلف أطيافها التي ظهرت على السطح كقوّة سياسية مهمّة تثير الكثير من الاهتمام والمخاوف. وفي هذا الإطار حدثت عدّة مسيرات سلفية خلال السنة والنصف الأخيرة مما يثير المخاوف بأن يكونوا هم المستفيدون في النهاية من سقوط نظام الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي وعجز الحكومة الحالية على حلّ مشاكل البلاد.

إنّ هذا الصعود للحركات السلفية في تونس كان مفاجئا وإشكاليا بالنسبة إلى المجتمع المدني والسياسيين الليبراليين الذين يدّعون بأنّ السلفية ظاهرة مستوردة ودخيلة عن المجتمع التونسي ويمكن أن تؤثّر سلبا على الطريقة التي ستبني بها تونس نظامها السياسي. كما يشارك المجتمع الدولي هذه النظرة السلبية للسلفية حيث ينظر إليها على أنّها تمثل خطرا على الديمقراطية الليبرالية واستقرار النظام الدولي.

وتقدّم هذه الدراسة وجهة نظر تتحدى فرضية الأصول الخارجية لظاهرة السلفية في تونس، وتبرز انقساماتها الداخلية، وتقدم تحليلا أكثر دقة لعلاقة تشعّباتها المتعدّدة بالمؤسسات الديمقراطية الحديثة. ويقول المؤلّفون إنّه بالرغم من أنّ الغاية ليست التقليل من الحضور السلفي في الساحة العامّة في تونس فإنّ مثل هذا التحليل التفصيلي الذي يقدّمونه ضروري لمجابهة الروايات الصحفية المبالغة في إثارة المخاوف من خطر الظاهرة.

والتيار السلفي المتشدد في تونس يضم ما بين ثلاثة الى عشرة آلاف شخص وهو متهم أيضا بتنفيذ سلسلة من الاعتداءات العنيفة منذ عامين أبرزها الاعتداء على السفارة الأميركية في تونس في 14 ايلول/سبتمبر 2012.

ظاهرة أصليّة أم مستوردة؟

تقول الدراسة إنّ السلفية الإسلامية لها جذور في عدم رضا بعض الإسلاميين في حركة الاتجاه الإسلامي "الاسم القديم للنهضة" عن التفكير السياسي والاستراتيجي في الثمانينات، وانشقاقهم عنها لتكوين الجبهة الإسلامية التونسية سنة 1986. وبقت هذه الحركة سريّة إلى أن اكتشف الأمن التونسي وثائق تأسيسها وبدأ حملة قمع شديدة ضدّها. وكان الأعضاء المؤسّسون هم محمد علي حراث وعبد الله الحاجي ومحمد خوجة ومنجي الهاشمي.

وغادر عدد من المناضلين في الجبهة الإسلامية التونسية إلى باكستان والبوسنة للجهاد وذهب غيرهم إلى المنفى وبقي آخرون في تونس سواء في السجن أو مهمشين في المجتمع. وبعد سقوط نظام بن علي عاد عدد من الأعضاء السابقين لتونس لتأسيس حزب سياسي والمشاركة في الانتخابات، كما خرج عدد آخر من السجون وكانوا على استعداد للعودة إلى الساحة السياسية العامة.

لكن لم يتحصل أيّ حزب سلفي على الاعتراف القانوني قبل الانتخابات نظرا لعدم ثقة السلطة الانتقالية في التزامهم بمبادئ الديمقراطية. وفي مارس/ آذار من السنة الماضية كانت جبهة الإصلاح برئاسة محمد خوجة هي الحزب السلفي الوحيد المرخص له.

وبالرغم من الإجراءات الأمنية المشدّدة ضدّ السلفيين في عهد بن علي تمكّنت حركات سلفية من تجنيد أتباع لها وتحدي السلطة العلمانية الاستبدادية. ومن أهمّها قيام لسعد ساسي –وهو جهادي إسلامي كان ينشط في الخارج- سنة 2006 بعد تمكّنه من الإفلات من الأمن بتجنيد مناضلين شبّان من سوسة وتونس وسيدي بوزيد. وتكوّنت في سنة 2006 أيضا المجموعة الجهادية جند أسد بن الفرات وتعرضت سريعا إلى القمع الأمني الشّديد.

ومن المفارقات أنّه كلما اشتدّ القمع زاد تمسّك الناشطين بقضيتهم وانغماسهم فيها. وفي شهر أبريل سنة 2011 أسس الجهادي أبو عياض حركة أنصار الشريعة التي انضم إليها عدد مهم من السلفيين المفرج عنهم من السجون.

ويجادل المؤلفون في دراستهم أن السلفيين التونسيين سواء العائدين من المنفى أو المقيمين في البلد كلهم تصرفوا ردا على الأوضاع الداخلية التونسية بالرغم من وجود روابط بين السلفية المحلية والجهادية العالمية، وقد تكون هذه الروابط هي التي جعلت البعض يعتبر الظاهرة مستوردة من الخارج.

المؤسسات أم الشارع؟

تشير الدراسة إلى تقسيم 'وكتورفيتش' للسلفية إلى ثلاثة أشكال:

1- السلفيّة الصفويّة، وهي حركة تركز على نقاوة الدين بالرجوع إلى القرآن والسنّة والسّلف الصالح والاعتماد في العمل على الدعوة والتربية دون الاهتمام بشؤون الحكم والسياسة.

2- السلفية السياسية، وهي حركة جاءت كردّة فعل على إصرار الصفويين على البقاء خارج المعترك السياسي وتهدف إلى التعامل مباشرة مع الشؤون السياسية الراهنة.

3- السلفية الجهادية، وهي معارضة عنيفة 'للحكم الظالم' تهدف إلى إقامة الدولة الإسلامية.

وهذه التقسيمات مهمّة تساعد على فهم الظاهرة السلفية في تونس نظرا لوجود انقسامات عميقة بين المجموعات السلفية الناشطة في البلاد وخاصة فيما يتعلق بعلاقتها مع المؤسسات الديمقراطية الناشئة والفاعلين السياسيين الآخرين. وترى الدراسة أنّ جعل هذه الحركات تنخرط في النظام الديمقراطي يرمز إلى نجاح الديمقراطية التونسية في قدرتها على احتواء الجميع. ومن ناحية أخرى قد يؤدّي غياب التنمية وتواصل التفاوت الاجتماعي وعجز الدولة عن تلبية سيل مطالب المجتمع المدني إلى تشجيع أولئك السلفيين الرافضين للعملية الديمقراطية والمفضّلين لممارسة السياسة في الشارع.

وحسب الدراسة تتمثّل المشكلة لدى السلفيين الذين انضموا إلى اللعبة المؤسساتية في أنهم يميلون إلى تمثيل جيل قديم ليس له الكثير من الأتباع. لذلك فإنّ قسما كبيرا من السلفيين الأصغر سنّا والذين تربّوا في البيئة الراديكالية للسنوات الألفين يبقى خارج السياسة المؤسساتية مفضلين سياسة الشارع. وهذه هي الحركات التي تشكل تحديّا أمام النظام السياسي الوليد والنهضة بالخصوص، ومن أبرزها حزب التحرير الذي يتميّز بأجندة سياسية وإيديولوجية لا تتوافق مع الإيديولوجيا الإخوانية والسلفية.

كما تشير الدراسة إلى وجود حركات سلفية أخرى تنوي إقامة دولة إسلامية لكنها مازالت لم تكوّن أحزابا سياسية. ومن بينها الجمعية الوسطية للتوعية والإصلاح التي تكوّنت في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2011 ويتزعمها عادل العلمي. وتهتم الجمعيّة بأن يكون لها دور في الحياة العامة في تونس وتسخّر نفسها للتربية وتركز هدفها الأساس على تطبيق الشريعة. وصرح زعيم الجمعية في شهر مارس/ آذار الماضي بأنه سيحارب كل ما يناقض الشريعة، وكانت من ضمن مخططاته تكوين شرطة دينية تتولى فرض الشريعة في الشارع.

يشدد المؤلفون، في خاتمة الدراسة، على كون الظاهرة السلفية في تونس ليست مستوردة من الخارج بل تمثّل المطالب السياسية لقطاع من السكان في البلاد. والسلفيون هم نتاج السياسة المنتهجة في عهد بن علي التي تقوم على التسلّط وسيطرة العصابات المافيوزيّة على الاقتصاد السياسي.

ويتوقّف نموّ الحركات السلفية وانتشارها في المستقبل على نجاح أو فشل المرحلة الانتقالية خاصة في بعدها الاقتصادي والاجتماعي لأن هذه الحركات يغذيها ضعف المؤسسات الناشئة وتدهور الظروف المعيشيّة للمواطنين. وتبقى النهضة هي الرابح الأوّل من نجاح المرحلة الانتقالية وكذلك الخاسر الأول في صورة فشلها.

والنقطة الأخيرة التي تشير إليها الدراسة هي التحدي الذي تفرضه الحركات السلفية على المجتمع التونسي وخاصة القطاع العلماني منه. ومن المفارقات أنّ التهديدات التي يتعرّض لها هذا القطاع من المجتمع مفيدة له من حيث أنّها تقوّي تمسّكه بالمبادئ الليبرالية ومقاومته للإيديولجيات الرجعية.