من اعتقد قلبه أنني كتبت إرضاء لأحد فعليه أن يغسل قلبه ويسكب عليه كل ماء البحر.. فكتابة الاسترضاء هي التي حولت دفاترنا إلى زرائب للأغنام لا يغسلها ماء البحر.. نحشرها في حقائبنا أو ندسها في جيوبنا بين مناديلنا أو نرصفها على رفوف المكتبات بين كتب تشبه قصور الرخام..

ومن يعتقد قلبه أنني كتبت كرهاً لأحد فعليه أن يستحم في أحواض الشمس كي يتطهر قلبه من الكراهية.. لأن كتابة الكراهية هي التي حولت دفاترنا إلى بحيرات لأسماك القرش وقلوبنا إلى قلوب تماسيح.. وحولت أقلامنا إلى أسنان تقطع شرايين الناس وأوردتهم..

ومن يعتقد أنني أبحرت في هذا الموج بحثاً عن "الفروة الذهبية" فليعلم أن الفروة الذهبية كانت في الدوحة التي شد الرحال إليها طلاب الذهب.. ولكني بقيت وفياً لدمشق.. لأنني أعلم أنها الدورادو الشرق.. فمن يبيع مدينة من ذهب من أجل فروة ذهبية أو عباءة ذهبية يحرسها تنين النفط.. إلا أشباه الثوار وأشباه الأحرار؟؟..

ومن يعتقد أنني كنت صيادا ألاحق الطرائد الثورية وأجندل الأحرار فإنني أطمئنه بأنني لا أطلق النار على الخيول الغاضبة ولا على الظباء التائهة.. ولا على الأحرار.. بل على ثوار التتار.. وثوار الخوار..

رحلة الصيد التي خرجت بها ولم تنتهِ بعد لم تكن لإرضاء أحد أو ضد أحد بل كانت لاصطياد قطعان الأكاذيب.. وأسراب الوسواس الخناس.. الذي يوسوس في صدور الناس.. الذي ملأ الفضاء.. وملأ النفوس..

لا أبالغ إن قلت بأن البشرية لم تنتج كذبا بالحجم الذي أنتجته ثورات الربيع العربي.. إنه ربيع الأكاذيب.. ولا أبالغ إن قلت بأن أكبر عملية تلويث للتاريخ والضمير الإنساني حدثت في هذين العامين.. وحجم الكذب المنتج في عامين يزيد عن حجم ما أنتجته الخيالات البشرية منذ عهد الأساطير الشرقية و"مغامرات العقل الأولى" وأساطير التوراة.. ولو جمعت البشرية ما أنتجته من أكاذيب منذ بداية الخلق ووضعته في كومة.. ثم جمعت ما أنتجته في عامي الربيع العربي لكان الفارق كمثل الفارق بين جبال الهيمالايا.. وجبل التبغ المعسل على رأس أركيلة في مقهى الروضة الدمشقي!!.. فأكاذيب الربيع بارتفاع الهيمالايا دون نقاش..

فهل هناك بارتفاع كذبة الحرية الناهضة من عباءة حمد بن خليفة واليتيه؟.. وهل هناك ما يضاهي كذبة صنع العطر الثوري من بحور الزيت الأسود وقطف ماء الورد من حقول الغاز؟.. وهل هناك كذبة تنافس كذبة أن فرنسا والغرب حريصون على الحرية في الشرق وأن أصدقاء سورية هم أحفاد السلطان سليم وريتشارد قلب الأسد؟.. وهل في الدنيا كذبة تتفوق على كذبة اتحاد علماء المسلمين الذي لم يعلّم المسلمين إلا ذبح المسلمين؟؟.. اتحاد لم يفتت إلا المسلمين..؟؟.. وهل هناك من خدعة مثل خدعة الجهاد في سورية؟؟ وهل هناك من كذبة تتحدى عيونها كذبة قصف الطائرات أو الصواريخ السورية لعيون حلب؟؟.

هذه التجربة الفريدة في تسويق الأكاذيب في سياق الحرب النفسية على الشرق لاجتثاث عقل الشرق وزرع مخ جديد للشرق ستكون مقدمة لانتهاكات خطيرة للغاية ليس بحق المستقبل بل بحق كل ما نملكه في خزائن التاريخ المقفلة.. فتجربة الكذب الثوري كفيلة بتنظيف اسم أبي رغال واسم يهوذا الاسخريوطي وفق شهود عيان الربيع العربي.. ووفق تجربة الكذب الثوري سيعود أبو جهل صحابيا جليلا قتل في معركة أحد وهو يدافع عن الرسول كما يروي الوعاظ الجدد.. فيما أننا سنكتشف أن أبا لهب كان العم الحنون للرسول يوقد له اللهب ليلا ويوبخ أبا طالب على إهانته للرسول..

منذ دخل الربيع علينا والكذب يتجول في شوارعنا ويجلس معنا ويأكل معنا ويشرب الشاي معنا في الأمسيات ويحدثنا عن الإسلاميين الذين سيحرّرون ويبنون ويعيدون السلف الصالح.. ويطلع الكذب بشحمه ولحمه من دفاترنا ومن كتبنا ويعتلي منابر المساجد ويحدثنا عن الله الشرير الذي لا همّ له إلا أن يقتل الشيعة والسنّة الوطنيين الذين لا يؤيدون شرع الله الخليجي.. يجلس الكذب على كراسي المقاهي ويتبادل معنا خراطيم الأركيلة ويقوم على خدمتنا بنفسه ويضع على تبغ الكذب الجمر والنار ويضع الحطب على لهيب الخطب.. وما دخان الأراكيل الثورية إلا دخان الأراجيف.. يملأ الشوارع ويخنقنا.. ويتسلل من آذاننا إلى سراديب عقولنا..

إنه عصر الكذب وجيل الكذب واكتمال كل عناصر الكذب.. فماذا يريد سلطان الكذب ليبني مملكته إلا اكتمال بيئته ودورة حياته؟ صحف تكذب وفضائيات لا تقول إلا الكذب ومثقفون متثاقفون جياع يعتقدون أن الكلمة جارية وأمة ومما ملكت الأيمان أو أنها سهم في البورصة.. وحكايات الجمل والسقيفة تتجول بين الناس وهي تسعى بين الصفا والمروة ومزدلفة الحرية والطائفية.. وأمراء يسرقون آباءهم وملوك فاسدون.. ومال كثير.. ورجال دين بلا دين.. وجمهور واسع من الأنعام..

في عصر الكذب الثوري انتعشت الطوائف وصارت تشرب من دم بعضها حتى الثمالة.. لأن الكذب هو ما يروي الكراهية الدينية وهو ما يروي العنصرية الدينية.. فكما أن كذبة "شعب الله المختار" أطلقت كراهية يهودية لكل الغوييم والأغيار وخلقت وعود الله بالأراضي من الفرات إلى النيل واحتقار شعوب الأرض، فإن الإيمان بـ(ولقد كنتم خير أمة أخرجت للناس) التي تتجاذبها الطوائف والتيارات السلفية للاستيلاء عليها وتسقيها بالأكاذيب والأساطير، تحول إلى طيف من أطياف عبارة "شعب الله المختار" العنصرية.. فولدت من رحمها أكذوبة الفئة الناجية من النار بين 73 سبعين فرقة من المسلمين.. لتعيد إنتاج عقيدة عنصرية إسلامية هي "طائفة الله المختارة" على نسق عبارة "شعب الله المختار".. وبنفس رائحتها.. وولد مولود آخر.. فصار الحكم الإسلامي "حكم الله المختار"..

الأكاذيب صارت تفرّخ وتلد الأكاذيب وصارت ميادين الإعلام تعاني من تفجر سكاني في مواليد الأكاذيب.. الأرحام الخصبة في إعلام العالم الغربي تدافع رياء عن ربيع العرب والعدالة والحرية وحقوق الإنسان.. وإعلام النفط يلد الأكاذيب كما تلد الأرانب والقطط.. وأفواه مذيعي الجزيرة والعربية لا تشبه إلا أرحام الأرانب والقطط الولودة.. التي تقذف مواليدها من فم كريشان وريان وبن قنة.. ومن فم صفوت الزيات الذي يشبه كهفا مظلما تنطلق منه الأكاذيب كأسراب الخفافيش وأسراب الجراد النهمة تأكل الأخضر واليابس في عقول العرب..

ولذلك تحولت ما تسمى "بالثورات العربية" المتشربة بالأكاذيب الثورية إلى مشاريع بلا أفق وإلى نزاعات بلا نهاية وانكفأت بسرعة من مشاريع حرية إلى حالة دينية لا يهمّها بناء الجامعات بل دخول الجوامع.. وتعتبر الثورة السورية مثالا مثيرا للسخرية بانكشاف جذورها الدينية بسرعة التي تركت شعارات الحرية من أقفاص الديكتاتورية ودخلت أقفاص الله في طوائفه.. وما كان يحيّرني هو نجاح الإعلام بسهولة فائقة في تحويل النزاع في سورية من المطالبة بإلغاء المادة الثامنة وقانون الطوارئ ومحاكم أمن الدولة إلى مجرد حلم (الثوار) برئيس سني حتى لو كان من قلب النظام وصار "مناف طلاس" مرشحا كوزير للدفاع في ثورة (الكرامة)!!.. وانشطر الشيوعيون العرب إلى شيوعيين سنّة وشيوعيين شيعة.. وتبيّن أن كل الأحزاب العربية الثورية دون استثناء كانت بلا جذور ثورية لأن جذورنا الدينية المريضة هي الأقوى.. ففي العراق انضم الشيوعيون الشيعة إلى حكومات بول بريمر الامبريالي لأنه أعاد للتوازن الطائفي منطقه وأنصف الشيعة كما يعتقدون.. فيما انضم رياض الترك الشيوعي السوري إلى التحالف الامبريالي والديني لأن ذلك قد يعيد السلطة إلى حضنها السني..

كيف لي أن أتنفس في هذا الجو.. وكيف لي أن أرى إلا الضباب والدخان وجشاءات أردوغان ونفاثات الإخوان في العقد؟؟.

في أجواء الكذب لن ترى الحقيقة خلف جبال الهيمالايا.. ولكن كومة جبال الهيمالايا من الأكاذيب لا يجب أن تمنعنا من تسلق المرتفعات الشاهقة لنحفر فيها بمعاولنا ونذيب قممها بدم الشهداء.. ونغسلها بأصوات الأذان النقي من الجامع الأموي.. ونغسلها بأصوات أجراس كنائس دمشق.. سنسقط هذه الهيمالايا.. وجبال الدخان.. وسنرى ماذا خلف الدخان ولهاث أردوغان.. ونفاثات الإخوان..

من بين هذا الدخان الذي تنفثه أراكيل الشرق الدائخ بالدخان هو ما سمّي وصية الرئيس الأسد.. فهل كتب الأسد وصية؟ ولماذا يكتبها؟؟ صحيفة الديار يقال إنها هي من نشر القصة وتحدثت عن خطوط طيران للصواريخ السورية في حال اغتيال الأسد.. والديار أكثر ميلا لفريق الدولة الوطنية السورية ولن تكتب إلا ما يكون له نار وجذور؟ فلم ينشر هذا الخبر الذي تلقفه مؤيدون ومعارضون بنفس الحماس؟!.

بعض المتحمّسين يراها رسالة تهديد ووعيد واستعراض لمخاطر استهداف الأسد.. ولكن البعض من ذوي النوايا السيئة يريد استغلال ذلك بإيصال الناس إلى الإحباط وتصوير الرئيس على أنه مسكون بهاجس الاغتيال ومسكون بالقناعة بأنه على موعد مع الموت والهزيمة.. ولكن الرجل يتجول في دمشق ويطل على الناس في كل المناسبات.. إنه سلوك من لا يعتني بوصية ولا يتهيّب الموت..

ولكن لماذا يكتب الأسد وصية؟؟.. فالوصية يكتبها من يدرك أنه اقترب من النهاية.. وهو يقول فيها مالا يريده أن يموت بموته.. والوصية يكتبها من شارف على الهزيمة.. سواء في حياته الشخصية أو العامة.. الوصية قد يكتبها المنتحرون الذين يتهيؤون للرحيل بعد أن سئموا الحياة.. فلمَ يكتب الأسد وصيته؟؟.

صحيح أن القيادات التاريخية الكبيرة هي التي تستعد لكل الاحتمالات وتضع الخطط المدروسة لكل السيناريوهات وكل قائد وزعيم كبير هو على موعد مع كل الأخطار ولكنه لا يكون مسكوناً بفكرة الموت بل بفكرة الإيمان بنصر مشروعه.. وإبقاء مشروعه على قيد الحياة..

والأسد تمكن من الصمود بشعبه وجيشه ودولته وفاجأ صموده الجميع ولا يتنكر لهذه الحقيقة إلا عميان الثورات الذين فقئت عيونهم بالأكاذيب والأوهام.. وهناك ألف سبب ليجعله يفكر في إعداد مهرجانات النصر لا في الوصايا والأكفان.. والأسد هو رجل دولة قبل أن يكون رئيسا عاديا وعابرا.. وهو لا يتعامل مع سورية على أنها مزرعة لرجل الدولة وأن شعبها يدفع ثمن نزواته ووصاياه الشخصية ويخوض حروبا ثأرية رعناء بلا تخطيط..

هذا ما تريده عملية التلاعب النفسي بفكرة الوصية.. أي تصوير أن الرجل لا يفكر في الحرب والثأر إلا في حال وصول النار إلى بيته.. وأنه سيعاقب الشرق كلّه على إبعاده من الحياة السياسية إقصاء أو اغتيالا.. أما قبل ذلك فليحترق الناس ولتحترق سورية وشعبها وجيشها.. فهذه الصواريخ تحولت من صواريخ الشعب السوري والجيش السوري التي تدافع عن البلاد إلى صواريخ الرئيس الأسد.. وعائلة الأسد.. وستبقى في مخازنها إلى أن يغيب الموت مالكها..

هذا الترويج السطحي الساذج أو المقصود لما قيل أنه وصية يخدم الفكرة الكاذبة التي تروجها وسائل الإعلام العربية والغربية من أن سورية دولة فاشلة وقراراتها ومصيرها بيد فرد أو عائلة وهي تدار حسب أمزجتهم وانفعالاتهم وردود فعلهم.. وهناك غياب لمؤسسات الحكم وآلية صناعة القرار.. ولذلك فالثورة السورية قدمت نفسها دوماً على أنها تريد الخروج من هذا التصور الفاشل لتؤسس لدولة حقيقية بعيدا عن فساد العائلة وانفرادها بمصير الشعب السوري.. فأطلقت مشروعها ولسخرية الأقدار.. من الدوحة.. حيث لا عائلة ولا قانون بل مزاج أمير ينزلق كل يوم بقشرة موزة يسير بالبلاد..

ولكن الحقيقة التي تغيبها قنابل الدخان الثوري والقنابل الصوتية هي غير ذلك.. فالرئيس الأسد يقوم على رأس دولة ومؤسسات حكم رصينة.. وهذه المؤسسات هي التي تقدم له المشورة والخيارات وتصنع معه القرارات.. وهو لا يتصرف بمنطق الانفعال ورد الفعل بل وفق معطيات وآراء مكاتب استشارية على مستوى عالٍ من المهنية والحصافة الدبلوماسية.. وهو يتصرف بمنطق رجل الدولة الذي يتحدث مع كل أجهزة الدولة من خلال مكاتب القرار في رئاسة الجمهورية.. ولو كان رئيسا انفعاليا لأطلق الصواريخ في كل اتجاه عقب اغتيال صهره ووزير دفاعه وقادته الكبار.. وكانت الصواريخ يومها تواقة لأن تقوم برحلات إلى الدوحة أو الرياض أو أنقرة أو تل أبيب.. وكان المبرر موجودا بقوة وكان الاندفاع الشعبي لذلك بلا حدود.. لكن الأسد لم يفعل.. فكما أن مفاتيح الحقيبة النووية بيد الرئيس الروسي والأمريكي لا يقرر استعمالها مزاج الرئيس بل الحالة الإستراتيجية والدفاعية للبلاد فإن مفاتيح الترسانة العسكرية السورية من الصواريخ الهامة ومفاتيح الحقيبة الكيماوية -إن وجد سلاح كيماوي طبعاً- لا يمكن استخدامها بشكل عشوائي وبناء على ردود الأفعال مثل أي دولة تحس بمسؤوليتها.. فعندما تعرّض غورباتشوف لمحاولة الانقلاب لم يمكن لأحد استعمال مفاتيح الحقيبة النووية التي بحوزته.. وعندما أطلقت النار على جون كينيدي وعلى رونالد ريغان لم توجد هناك وصايا بإطلاق الصواريخ الإستراتيجية على أحد.. بل بتقدير الموقف وتولي نائب الرئيس مهمة تقدير الحالة واتخاذ القرار.. وبنية الدولة السورية يجب أن تشبه دولة رصينة قوية لا بنية إمارة ولا مملكة ولا جمهورية موز وانفعال مزاج..

كما أنه منذ بداية الأزمة وبرغم كل الأصوات النارية والانتقادات والدعوة للضرب بقسوة على المناطق المتمردة لم تتصرف القيادة السورية وعلى رأسها الرئيس الأسد كقيادة المرحلة الراهنة بل كقيادة تتعامل مع التاريخ ومع جذور الأزمات.. إنه الرسم للمستقبل ومخطط اقتلاع الأزمات من جذورها.. بدل قطع الأغصان وإسقاط الأوراق.. فيلاحظ أن الأزمات القوية التي هزت الحكم في هذه المرحلة تم تجاوزها بحسابات دقيقة.. من فقدان قادة خلية الأزمة وذروة القيادات العسكرية إلى عملية تجنيد رياض حجاب.. إلى خطر اندلاع حرب أهلية.. إلى خطر التدخل الغربي.. وتمكن الهدوء الفائق لمؤسسة الحكم من ضبط الأعصاب والانفعالات بشكل متوازن.. ولولا ذلك لكانت الدولة تفككت وانهارت بسبب ردود الفعل والتوتر والاستجابة لنزق الجمهور.. والأهم لتحولت سورية كلها إلى معسكرات لجوء هائلة ومقابر لمئات الآلاف..

طبيعة الحكم في سورية هي مضبوطة بدقة فائقة لأن الحكم الوطني يعنيه الحفاظ على الشعب والوطن وكيان الدولة.. قبل الرئيس.. بل مهمة الرئيس الأولى هي الحفاظ على الوطن والشعب وكيان الدولة معاً واستعمال كل القدرات والإمكانات للمرور في ردهات الأزمات بأقل الخسائر.. ومؤسسة الحكم السورية ليست مجلسا وطنيا يديره حالم مثل غليون وطيفور والشقفة وأغرار السياسة ويقرر له حمد بن جاسم راتبه وسياساته.. ولا يمكن للسيدا ولا للعرعور الجلوس في أحذية من يقوم عليها.. وهذه المؤسسة لديها خارطة طريق لكل احتمالات الفراغ السياسي منذ عهد الرئيس حافظ الأسد.. فهناك الجانب الدستوري والجانب العسكري والجانب الدبلوماسي.. وهناك خطط جاهزة دوما في حال شغر موقع الرئاسة لأي سبب طارئ.. فالرئيس السوري هو إنسان ويمرض ويشفى ويتعرض للحوادث.. وعليه فإن بلدا هاما للغاية مثل سورية لا تحكمه وصية.. بل تحكمه معادلات الحكم الصارمة ومؤسسات الدولة الجماعية.. وطوال هذه الأزمة لم يقم الرئيس (كما يشير العارفون) باتخاذ قرار مهما كان صغيرا إلا بعد إجراء الكثير من المناقشات والاستشارات والاجتماعات والمراجعات وبعدها يتخذ القرار الذي يراه مناسبا وهو في المحصلة قرار عاقل وقرار الجماعة وليس قرار الفرد.. ولذلك نجد أن عملية تدمير الدولة السورية لم تنجح رغم كل جحافل الكذب وطوفان المال والسلاح والفتاوى.. بل هناك تقهقر واضح في زخم المهاجمين.. ويتسرب يأس متعاظم إلى نفوس المقاتلين.. وسيقول لكم ضباط الجيش السوري ملاحظات ملفتة للنظر مثل أن المجموعات التي قاتلت الجيش السوري في بداية النزاع لم يكن لدى المعتقلين والقتلى أي آثار لوصايا شخصية.. فيما وصلت الآن نسبة ما يجده الجيش في جيوب المعتقلين من وصايا لهم ولرفاقهم إلى حد يؤكد أن مزاج هذه المجموعات صار انتحاريا يائسا.. ومهتما بالوصايا لفقدان الأمل بالبقاء أو النصر.. رغم تمثيليات الاسترخاء والعنتريات الثورية..

قد يلوم البعض قرارات الدولة التي تلكأت في التعامل مع التمرد لكن يبدو أن المحصلة النهائية هي التمكن من تجنب حرب أهلية كان يرسم لها بعناية فائقة تؤسس لتقسيم البلاد.. وصار هناك إدراك واسع داخلي أن الدولة حاولت جهدها استيعاب المتمردين ولكنهم ضيّعوا الفرصة.. وانقلب التشكيك بالمؤامرة إلى يقين بالمؤامرة لدى معظم الشرائح حتى بين الثورجيين الذين يقرون الآن ولو على تردد بوجود مؤامرة لكنهم يلومون الحكم على سماحه بالأخطاء الداخلية لتنجح المؤامرة.. والربيع العربي كله بسبب هزيمته في سورية يتعرض الآن لمحاكمة واسعة لدى الجميع بعد أن كان مهابا لا يمكن نقد مسعاه للحرية المقدسة.. وهاهو يتعرض للرجم ككل زانية.. وأولى ساحات الرجم هي ساحة التحرير في القاهرة..

ما قيل عن وصية للرئيس الأسد لا أعتقد إلا أنه هراء في هراء والرسالة الجوهرية التي تم إطلاقها (باسم وصية) لم تلتقط جيدا في الحقيقة.. وما وصف بالوصية هو تصور لسيناريو الحرب المقبلة إذا ما اندلعت.. وهو رسالة سورية واضحة بوجهة الصواريخ في الحرب واتجاه رؤوسها.. فمن يراقب الجولان هذه الأيام يلاحظ نشاطا عسكريا دفاعيا إسرائيليا ومناورات عديدة بل وتكرر زيارات المسؤولين العسكريين الإسرائيليين الكبار إلى خطوط الجبهة (وهم الذين غابوا عنها لسنوات) بحجة التأكد من عدم تجاوز السوريين لقواعد فض الاشتباك.. وهناك سواتر تنهض وحواجز على الحدود لمنع سيناريو حرب في الجولان.. المنطقة صارت كغابة كبيرة للسلاح وصارت الصواريخ تنمو كالأشجار.. والسلاح يتكاثر من الباتريوت إلى الاسكندر إلى صواريخ البحر وطائرات التقنيات العالية.. الروس في مناوراتهم يبدو أنهم قرروا المضي في تحديهم حتى النهاية والإيرانيون في مناوراتهم الواسعة يبدو أنهم على نفس الخط.. أردوغان لا يتراجع ولكنه لا يتقدم.. وهولاند لا يتراجع لكنه لا يتقدم.. وملوك السعودية وأمراء الخليج لا يقدرون على التراجع علناً لأن واشنطن والغرب يريدان المضي حتى النهاية في مشروع استعادة عهد الاستعمار في الشرق الأوسط وإتلاف خارطة سايكس بيكو وتمزيقها لإطلاق سايكس بيكو الثانية.. خارطة الدم..

الوضع السوري الآن وصل دولياً إلى جمود سياسي لا يذيبه إلا اتفاق أو حرب.. الكل يتحضر ربما لآخر جولة مفاوضات في الأسابيع القادمة.. ومنها تعرف النهايات.. إذا تم الاتفاق وهو الأرجح وعرفت حدود النفوذ والمحاور والتكتلات الجديدة في نهاية الربيع العربي فقد انتهت الأزمة السورية سياسياً وسيتلوها تراجع عسكري واضح وسريع.. وإن أصرت الأطراف على أخذ مالا يعطى في المفاوضات.. فالسلاح الذي استقدم إلى الشرق جاهز.. ووصية الأسد ليست بوصية لكنها شرح توضيحي إلى من يهمه الأمر في الشمال والجنوب.. والشرق والغرب.. عن نوايا الصواريخ السورية واتجاه عيونها دون مجاملة أو وجل ليغطي إسرائيل والأساطيل الأمريكية.. ويبدو أن الرسالة وصلت جيدا قبل خطاب أوباما في حفل التتويج.. ولذلك قرر أوباما الرد على الرسالة بسرعة في حفل تتويجه.. بأنه ليس في وارد الحرب.. بل في وارد السلام.. ونسي تماماً أن يتابع عده التنازلي لأيام الأسد.. تبدو رسالة الأسد و"حلفائه" إلى أوباما مثل رسالة مارس إله الحرب وإنذاراته.. مارس ابن جوبيتر كبير آلهة الإغريق.. وإذا بعث مارس برسائله.. فعلى أعدائه أن يفكروا بكتابة وصاياهم


نارام سرجون