اسمها "جبهة النصرة لأهل الشام"، ومن الاسم يمكن أن نفهم أن هذه الجبهة تضمّ مقاتلين لنصرة أهل بلاد الشام (سورية، الأردن، فلسطين، ولبنان)، وبالتالي مقاتلوها من غير هذه الدول وجاؤوا لنصرة شعوب هذه الدول، ولكن في الحقيقة لا وجود لهذه المنظمة سوى في سورية، ولم تفكّر مطلقاً بنصرة أهالي الشام في فلسطين، ومعظم قياداتها من الأردن، فما هي أسرار هذه المنظمة ونشأتها وحجمها، ومن يموّل هذه المنظمة التي على مدار عشرين شهراً كانت المعارضة السورية تقول إنها صنيعة النظام في سورية، وحين قامت واشنطن (وبهدف الدعاية للجبهة وتكبيرها وإظهارها بحجم الدولة الذي تريد واشنطن استهدافها) بوضعها على لائحة الإرهاب، سارع من كان يقول إنها صنيعة النظام للدفاع عنها والقول إن قرار واشنطن متسرّع!!.

وقبل الحديث عن "جبهة النصرة" لابد من إلقاء الضوء على الأب الشرعي لهذه المنظمة وهو تنظيم القاعدة، الذي قاتل السوفييت في أفغانستان، ولكنه سرعان ما ترك حركة طالبان وسار مع خصومها، حيث كان تنظيم القاعدة شريكاً للموساد والاستخبارات الأمريكية في تفجير برجي التجارة العالميين (11 أيلول) كتبرير لاحتلال أفغانستان، وحين بدأت الحرب خرج تنظيم القاعدة وترك حركة طالبان وحيدة في مواجهة الناتو، ولكن المفارقة هو الدخول على خط الأزمة العراقية أيضاً بعد احتلال العراق رغم غيابها عن المشهد لسنوات طويلة حين كان الطيران الأمريكي يفرض حظراً جوياً على العراق انطلاقاً من دول الخليج التي منها خرج معظم مقاتلي القاعدة.

وفي العراق تغيّر اسم تنظيم القاعدة الذي قاده الأردني أبو مصعب الزرقاوي إلى "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" أو "التوحيد والجهاد" ومن ثم "دولة العراق الإسلامية"، والتي خيّل لمستمع القنوات الغربية والعربية الموالية للغرب في تلك الفترة، بأن هذا التنظيم سيسيطر على العراق حين تخرج القوات الأمريكية من هذا البلد، نسبة للحجم الذي كان التنظيم يوصف به، ليفاجأ الجميع باختفاء هذا التنظيم لفترة طويلة بعد خروج الأمريكيين، ولاحقاً يظهر مقاتلوه في سورية تحت مسمّى "جبهة النصرة لأهل الشام".

والمريب في تنظيم الزرقاوي هو تماهي أهدافه مع أهداف الإدارة الأمريكية بشكل يصل إلى حدّ التطابق، فحين كان الاحتلال الأمريكي في العراق يفكّر بتقسيمه إلى ثلاث دويلات طائفية وعرقية، كان لدولة العراق الإسلامية وأبو مصعب الزرقاوي الدور الفاعل في تغيير ديموغرافيا العراق لتتناسب مع التقسيم، حيث كان الأمريكي يريد فصل السنة عن الشيعة والعرب عن الكرد، وللمفارقة قام الزرقاوي ودولة العراق الإسلامية بإعلان الجهاد ضد الشيعة وفي الوقت نفسه كانت تقتل علماء الدين من أهل السنة لترك فراغ ديني للفكر الوهابي وفكر دولة العراق الإسلامية ورجال دينها مما أدى إلى تهجير الشيعة من بين السنة والسنة من بين الشيعة، وكذلك بحجة الدفاع عمّا سمّوه (فتاة مسلمة) بحسب زعم الجماعة بأنها كردية يزيدية اعتنقت الإسلام فتمّ رجمها، حيث تمّ تفجير سيارة مفخخة بمتفجرات هائلة القدرة التدميرية لا تملكها معظم دول المنطقة وأودت بحياة 550 مواطناً كردياً عراقياً وشكّلت فوهة بركانية مرعبة في الأرض جراء التفجير، ليتبيّن لاحقاً بأن هذه الفتاة هي أفغانية تمّ رجمها من قبل تنظيم القاعدة بجرم الزنا، ولكن هذه العملية وغيرها ساهمت بتغيير الواقع الديموغرافي لناحية فصل العرب عن الكرد كما جرى فصل السنة عن الشيعة.

والمفارقة الأكبر هو اختفاء أتباع الزرقاوي ودولة العراق الإسلامية مع اختفاء الاحتلال الأمريكي، عوضاً عن ظهورها بعد خروج الأمريكي، لتعود مجدداً مع عودة التدخلات الخارجية في الشأن العراقي وخصوصاً حين بدأت تركيا وشركة "إكسون موبيل" الأمريكية بسحب النفط والغاز من كردستان العراق دون موافقة الحكومة المركزية.

والجدير بالذكر أن العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية ودولة العراق الإسلامية (جبهة النصرة لاحقاً) هي كمن يستثمر هذه الفئة وحين ينتهي منها يعيدها إلى السجون، وقد تكرّر هذا الأمر أكثر من مرة، وإبان الأزمة السورية فرّ مئات السجناء من سجونهم بطرق مثيرة للريبة وبشكل خاص في العراق ولبنان ومعظم من فرّ من السجون توجه للقتال في سورية.

ولا يمكن الحديث عن "جبهة النصرة لأهل الشام" دون إلقاء الضوء على أحد امتداداتها وهو ما سُمّي حركة (فتح الإسلام) التي حملت اسماً يوحي بأنها حركة فلسطينية، (فتح) على غرار حركة فتح وفتح الانتفاضة، وكانت السبب الرئيسي في تدمير مخيم للاجئين الفلسطينيين في لبنان حين تسلّلت إلى مخيم نهر البارد ومن داخله شنّت مجموعة عمليات عسكرية، كما يتكرّر الوضع اليوم في مخيم اليرموك بدمشق مع فارق وحيد، أن الجيش العربي السوري لم يتدخل في مخيم اليرموك كما تدخل الجيش اللبناني في مخيم نهر البارد شمال لبنان، وكذلك "جند الشام" التي تزامن الإعلان عنها مع ظهور "فتح الإسلام" وحملوا جميعاً الفكر ذاته الذي يعتبر امتداداً لفكر تنظيم القاعدة والفكر الوهابي، ويمكن القول إن حركة "فتح الإسلام" ظهرت مع العدوان الصهيوني على لبنان، وحركة "جند الشام" ظهرت مع بدء التحضير لضرب سورية ومع خروجها من لبنان على إثر مقتل الحريري الأب، و"التوحيد والجهاد في بلاد الرافدين" ودولة العراق الإسلامية ظهرت مع الاحتلال الأمريكي للعراق، و"جبهة النصرة لأهل الشام" ظهرت مع بدء الأزمة السورية، وهذا ما سنبحثه في الأجزاء القادمة.