أياً تكن السلبيات التي طفت بفعل التراكم الكمي والزمني على السطح في سورية، وكان الترهل والأداء الحكومي البطيء أحد أبرز أسبابها فإنه لا يمكن بحال إنكار أن «الحالة السورية» بكل تناقضاتها وعجرها وبجرها شكلت ظاهرة بارزة ولافتة على مستوى المنطقة والأقليم وعلى سبيل المثال لن نبالغ القول عند استذكار مقولة شائعة تقول إن سورية هي واحدة من دول قليلة على مستوى العالم لديها اكتفاء ذاتي من القمح تحديداً ومن الحبوب ومن المنتجات الأخرى على نحو عام، وتأكل مما تزرع، ولا يخفى على متابع ما لأهمية ذلك الأمن الغذائي من منعكسات طيبة وإيجابية على الأمن الوطني والقرار السيادي لا بل إن «الطمع» أو لنقل «النهم» الحضاري السوري والطموح الإبداعي الذاتي للمواطن السوري كان يتطلع إلى أفاق أرحب، وميادين أوسع يقتحمها بتحد تأمين ضروراته واحتياجاته الحياتية، وانتقل لذلك إلى حقول وميادين أخرى ليبدع فيها ويتفوق وينتقل من حالة إشباع الضرورات الأساسية من الغذاء، والدواء، واللباس، إلى حالة التصدير ومنافسة أسواق عريقة وسباقة في الانتاج الصناعي العام وفي سلع استراتيجية مهمة وبرزت حلب عاصمة الشمال السوري كحاضن رئيسي لهذا النشاط البشري المتنوع والمهم، وبذا استحوذت على لقب العاصمة الاقتصادية وتربعت على عرش الاقتصاد السوري ومن هنا أيضاً تدور أقاويل لا أستطيع جزمها أو التأكد من صحتها لكن نتائج وخلاصات كثيرة تدعمها وهي أن نسب وإحصائيات البطالة في حلب كانت على الدوام في حدود صفرية وأنه لا يوجد حلبي واحد دون عمل أو إنتاج وبالتالي دخل مادي.‏

ولن استعرض ها هنا ما أنجزته حلب من سبق ونجاحات في مجالات الغزل والنسيج والمكننة وقربها من مناطق إنتاج القطن السوري، الأجود في العالم هو الآخر وسورية أيضاً ولعل الأمر ليس مصادفة هي من الدول الرائدة والأولى في العالم في إنتاجه ما جعل حلب خلية نحل لا تهدأ ولا تنام ولا تكل ولا تمل، وارتبطت لذلك بعقود تصدير ملبوسات إلى دول الاتحاد السوفييتي السابق لعقود قادمة من السنوات وتلك قصة باتت معروفة للجميع لكنني سأركز ها هنا في هذه العجالة على صناعة أكثر أهمية وأكثر استراتيجية وضرورية لحياة الإنسان من الغذاء واللباس، ألا وهي صناعة وإنتاج الدواء التي وصلت إلى درجات ومستويات متقدمة كماً، ونوعاً وفاعلية، فنياً وتقنياً، وطلباً عالمياً عليها، وتنافس من خلال أسعارها الزهيدة والمتواضعة قياساً بما عليه في دول الجوار، منتجات دول رائدة في هذه المادة الحيوية والمهمة

وكنت قد قرأت من فترة غير بعيدة مقالاً ذا دلالة بالغة في هذا الصدد للكاتبة الأردنية حياة الحويك العطية بعنوان: «مفارقة هشاشة العظام» تقول في أهم فقراته وخلاصاته وزبدته التي تهمنا: «كنت اشتريه في باريس من ماركة سويسرية دواء للوقاية من هشاشة العظام التي تهدد من يتجاوزون منتصف العمر بثمن ثلاثين يورو وفي إحدى زياراتي لسورية في عام 2005 وجدت تقليداً له بما يساوي دينارين حملته معي إلى فرنسا وعرضته على طبيبي هناك حوله للصيدلية والمختبر وعاد يقول لي: لا فرق إطلاقاً بينه وبين السويسري يمكنك التبديل رغم أنه ذهل لفارق الثمن بالأمس أوصيت زميلاً لي ذهب إلى الشام ليأتيني بعلبتين فأجاب: أتمنى ألا يكون مصنعه قد دمر من بين ستمئة مصنع سوري لحق بها الدمار ولحسن الحظ جاءني به «انتهى الاقتباس».‏

ولو «صرفنا» تلك العملات الواردة في المقتبس بالليرة السورية في حينه فالثلاثون يورو كانت أكثر بقليل من ألفي ليرة سورية بينما في سورية بحوالي دينارين أردنيين أي 150 ليرة سورية في تلك الأيام والفرق شاسع ولاشك ولامجال للمقارنة بين السعرين.‏ الحالة الحلبية المميزة والطفرة الانتاجية الخرافية فتحت عليها أعين (الحساد) و (العزال) والغاوون وباتوا يتحينون الفرصة للانقضاض عليها والقضاء على تلك المعجزة الاقتصادية الفريدة على مستوى العالم والاجهاز عليها في مهدها إنها شانغهاي سورية ووادي السليكون الإبداعي السوري ودرة المنطقة إذ لا يوجد لها مثيل أو منافس من حيث الانتاج والطفرة الصناعية الذاتية وبمحض أدوات وخبرات محلية ووطنية حفزت وأثارت حنق وغيظ كثيرين في هذه المدينة الجميلة من أدوات وعملاء وخبثاء وأبالسة وشياطين وأتباع ورؤوس حراب للخارج الحائر والحانق المغتاظ من صعود المارد السوري عسكرياً، وصناعياً وبشرياً وكان لابد من القضاء على هذه الظاهرة «المؤرقة» التي لم يستسغها ولم ترق لكثيرين يتربصون ويكيدون بسورية وبشعبها الأبي العظيم ويقف على رأس هؤلاء القرصان العثماني أردوغان أو لص حلب بالتعبير الآخر كما أطلق عليه السيد فارس الشهابي رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية وهنا ليس من حاجة للتذكير بأن حلب بمصانعها ومعاملها وإنتاجها وخيراتها وعوائدها وثرائها وازدهارها هي مفخرة وملك لعموم الشعب السوري وخيرها وثروتها وبركاتها تعود إليه ونصب كلها في خيره وصالحه وبين يديه.‏

نُكبت حلب اليوم بالقراصنة، والأشرار، والانكشاريين الجدد، والمغول والتتار والقتلة، والأوغاد، والأوباش، وحثالات الأرض الذي استهدفوها من كل حدب وصوب، وبتسهيل من القرصان السلجوقي أردوغان، مستهدفين، أولاً وأخيراً، عبقرية المكان والزمان، وعظمة المبدع السوري، ولقمة عيشه وخبز يومه لكننا واثقون، ثقتنا بعظمة وإباء وخصوصية الإنسان السوري الفريد، بأنها ستعود إلى سابق عهدها، من العز، والمجد، والخير، والوفرة، والإبداع، والعطاء والنماء، ولا يسعنا، والحال، وحلب في محنتها «الثورية» مع شذاذ الأفاق، وحتى تتخلص من رجسهم ودنسهم «الثوري» وتستفيق من سبات، وتتعافى من سموم «الربيع» الدموي، إلا أن نستذكر وبشيء من النشوة، تلك الكلمات الرائعة والدافئة العذباء لسيدة اللحن، والصوت، والصورة الجميلة، علها تعيد شيئاً من الألق للصور، وترمم شيئاً من هذا الألم والانكسار: «يا رايحين على حلب قلبي معاكم راح» ومع الاعتذار من سيدة الحرف والصوت والغناء.‏


: نضال نعيسة