بقلم رامي عساف:

التنبؤ أمر صعب للغاية خاصة بخصوص المستقبل البعيد.. وهذا الأمر حقاً ينطبق على كل الظواهر المعقدة ولهذا فكل توقع هو بمثابة تنبؤ.. وهو ما يعني وهماً مباحاً يُقدّم للناس على أنه مادة علمية. (العالم الفيزيائي نيلس بور).

ومن هذا المنطلق ستقوم الدراسة على ما حدث وليس على ما قد يحدث.

في البداية لا بد من إلقاء نظرة على بعض المفاهيم الأساسية بسوق المال وأسعار الصرف, وهنا نسأل السؤال الأول: ما الذي يحرك سعر العملة ولماذا تتحرك العملات بقوة؟.

إن أي شيء يتم المتاجرة به فإن سعره يتحدد بالنهاية بناء على عوامل العرض والطلب، فعلى سبيل المثال لو أن الطلب على الدولار مرتفع نتيجة عوامل مثل ازدهار السياحة أو الاستيراد من الولايات المتحدة (كمثال وليس الحصر) فإن السعر سيرتفع، وإذا قامت الحكومة الأمريكية بخفض الفائدة أو زيادة عرض النقود من خلال طباعة المزيد من الأوراق النقدية فإن هذا سيتسبب بخفض سعر العملة.

الآن ما هي النظريات أو العوامل التي تؤثر في العرض والطلب على العملات هذا يكون السؤال الفعلي؟..

هناك العديد من النظريات التي حاولت تحديد وسيلة لتوقع العرض أو الطلب على العملات، وأذكر منها على سبيل المثال:

نظرية القوة الشرائية:

وتعتمد هذه النظرية على مقارنة سعر سلة معينة من السلع في دولة ما مقابل قيمتها في الدولة الأخرى ومن خلالها يتم تحديد سعر العملة.

ببساطة أكثر إذا كان سعر ساندويش الهمبرغر في أمريكا 2 دولار وفي بريطانيا 1 جنيه إسترليني فهذا يعني أن كل 1 جنيه إسترليني يعادل 2 دولار.

هذه النظرية طبعا فشلت لأن الأسعار لم تكن تحمل القوة الشرائية فقط بل شملت العديد من المكونات الأخرى مثل تكاليف الإنتاج والضرائب والموقع مما جعلها تنهار نسبيا وبقي تأثيرها محدودا على المدى الطويل.

نظرية فروقات الفائدة:

وهذه النظرية تقول إن الدولة ذات سعر الفائدة المرتفع سترتفع عملتها مقابل عملة سعر فائدتها منخفض، وهو أمر نشهده يحرك فعليا الأسواق بعض الأحيان ولكن في مراحل معينة يحتسب العائد مقابل المخاطرة مما يدفع المستثمر للتخلي عن فكرة الاستفادة من فروق الفائدة وهنا كان الانهيار النسبي للنظرية أيضاً.

نظرية ميزان المدفوعات:

وهو يعتبر أن الأساس في تحديد سعر العملة هنا هو بناء على النشاط التجاري للدولة، فالدول المصدرة وذات فائض في ميزان المدفوعات سترتفع قيمة عملتها لأن المستوردين سيكون لديهم طلب كبير على عملة هذه الدولة لتسديد قيمة البضائع المستوردة منها.

والعديد من النظريات الأخرى حاولت وحاولت، ولكن بالنهاية ليس هناك قاعدة ثابتة كما يظن البعض، فعوامل عديدة تحرك أسعار العملات، منها عوامل اقتصادية، وعوامل سياسية، وعوامل اجتماعية، وعوامل بيئية، وفي النهاية عوامل نفسية وهو ما يحدث فعليا في سورية.

استقرار أسعار الصرف واجتماع بريتون وودز!!

بعد اجتماع عقد في منتجع بريتون وودز في ولاية نيو هامبشير بالولايات المتحدة عام 1944 حضره ممثلون من 44 دولة وضع إطار لنظام مالي عالمي جديد، حيث وافقت الدول الأعضاء بين عامي 1945 و1971 ميلادية على المحافظة على أسعار صرف عملاتها مقابل الدولار في وقت كانت أوقية الذهب تساوي 32 دولاراً. أما بالنسبة للولايات المتحدة فإنه تم ربط قيمة عملتها بالذهب، لكنها حصلت على امتياز لتغيير قيمة الدولار من أجل تعديل ضروري في ميزان المدفوعات بعد صندوق النقد الدولي. ويعرف هذا النظام بنظام بريتون وودز وقد استمر حتى عام 1971 عندما قررت الحكومة الأميركية وقف تحويل الدولار واحتياطيات الدول الأخرى من الدولار إلى ذهب.

ومنذ ذلك الحين ظلت الدول الأعضاء في الصندوق حرة في اختيار أي نظام لتسعير عملتها مقابل العملات الأخرى، عدا اللجوء إلى الذهب. وفضلت الدول هذا النظام إما لأنه يسمح لها بطبع المزيد من الأوراق النقدية للاستخدام المحلي أو لأنه لا يوجد لديها عملات أجنبية كافية لشراء الذهب.

وطبقا لفك الارتباط هذا فقد أصبحت العملة تتحرك بحرية أو ما يسمى بالتعويم، ويمكن أيضا ربطها بعملة أخرى أو بسلة من العملات، ويمكن لدولة تبني عملة دولة أخرى، أو أن تسهم في كتلة واحدة من العملات مع دول أخرى..

بعد المرور على أهم النظريات والوقائع المؤثرة بشكل مباشر أو غير مباشر على سعر صرف العملة وعلى انتشار العملة الصعبة "الدولار"، وبالمناسبة سُميت العملة الصعبة وذلك لصعوبة تداولها في عدد من البلدان بسبب فروض اقتصادية من قبل الدول نفسها على العملة الأجنبية وتداولها من قبل عامة الناس "وهذا القيود مفيدة جدا في الدول التي تجد فيها الوعي القومي لدى عامة الناس ضعيف أو غير مُكترث به".

من العوامل غير المباشرة لتحديد سعر الصرف هي العوامل الاجتماعية ومنها ما يسمى "قلة الوعي القومي لدى عامة الناس وترجيح المصلحة الفردية على المصلحة العليا للدولة"، وهذا ما وجدناه في سورية لدى العديد من الفئات الشعبية "منها عن قصد ومنها عن غير قصد"!!.

فمنهم من ذهبت مقاصده إلى القيام بالمضاربة على سعر الصرف الذي حددته الدولة حتى لو تحمل بعض الخسائر ظنا منه بكسر سعر الصرف ولجوء كل الأنشطة الاقتصادية إلى السوق السوداء للقيام بعمليات التصريف والبيع والشراء لتنهار الدولة اقتصاديا على المدى البعيد ومنها انهيار الدولة بشكل تدريجي على كافة الأصعدة الأخرى.

وهنا تبدأ مسؤولية الدولة والمواطن سوية للحفاظ على العملة المحلية من خلال جهود مشتركة تتواءم فيما بينها لتشكل حاجز صد قوياً ضد أي حملة شعواء سواء محلية أو أجنبية. وذلك من خلال دور المواطن في الحفاظ على عملته المحلية وعدم اللجوء إلى التبديل والمضاربة المقصودة وغير المقصودة بغاية تحقيق هامش ربح مستقبلي ضاربا بعرض الحائط التأثير الكلي لهذه العمليات الفردية والتي تكون نتائجها على الجميع. ودور الدولة في الاستمرار بالضخ المنتظم للعملة في المنافذ المختلفة بالسوق التي تتبع بشكل مباشر للرقابة الحكومية وذلك لمنعها من أن تؤدي دور معاكس للوجهة المطلوبة.

ومن جهة أخرى توعية المواطن بأهمية ممارسة هذا الدور وطمأنته ليس من خلال التصريحات فقط, وإنما من خلال الإجراءات الملموسة التي توضح له بأن سعر عملته وقوتها الشرائية. وتوجيه العقوبات إلى كل من يقوم بدور مخالف ومضر بالدولة والمجتمع وما أكثرهم في أيامنا هذه..

يقول هيغل "أحد مؤسسي علم الاجتماع": إن انتقال الإنسان من مرحلة الطبيعة والتوحش والهمجية، إلى مرحلة المجتمع والتحضر وإنتاج الثقافة، دفع الأفراد إلى إيجاد جهاز يدبر هذا التعايش بينهم ويضمن استمراره. هذا الجهاز هو الدولة، وهذه الدولة هي الحضن الدافئ لكل أفرادها حتى وإن مرت بأيام باردة يكون لزاما على كامل أفرادها أن يكونوا الشعلة المضيئة الحامية لهذه الدولة حتى وإن أصابهم ضرر جزئي كأفراد.

على الباغي تدور الدوائر!!

يقول عنترة العبسي:

لا يحْمِلُ الحِقْدَ مَنْ تَعْلُو بِهِ الرُّتَبُ... ولا ينالُ العلى من طبعهُ الغضبُ

إن الأفاعي وإن لانت ملامسها.... عند التقلب في أنيابها العطب

ويقول المتنبي:

وَجاهِلٍ مدّهُ في جَهْله ضَحِكي....... حَتى أتتْه يدٌ فَرّاسةٌ وفمُ

في الأشهر الأخيرة من أزمة الدولار شهد الدولار أكثر التقلبات شدة منذ بداية الأزمة. فقد وصل إلى مستوى 320 ليرة متخطيا بذلك عتبة الستة أضعاف لسعره الأساسي، وهنا بدأ الكلام عن أن الانهيار قد حدث فعلا وهذا الذي لم يحدث حقيقة إلا لدى حيتان التجارة, فكان التسعير الجزافي للسلع الأساسية قد غلا غلوه, والحديث كان عن أن حوالي مليار دولار دخلت السوق السوداء ونتيجة حركة مضاربة سريعة قفز الدولار إلى المستوى المذكور، وما إن انتشرت المليار المذكورة حتى تبين بأنها مزورة وهنا تصبح قيمة المليار بقيمة الورق المستخدم فقط لا غير, ناهيك عن الملاحقة القانونية لحيازة عملات مزورة!! فما كان إلا أن كرة الثلج عادت لتتدحرج في الجهة المعاكسة بالإضافة إلى التدخل الذكي للمصرف المركزي السوري بضخ عملات نظامية في السوق النظامية مما أدى إلى خسارات شنيعة لحقت بكل من ادخر دولاراً في الأشهر الثلاثة الأخيرة فمن اشترى بسعر فوق الـ 200 سعيا لتحيق مكاسب مؤكدة اضطر لأن يبيع بالخفاء بسعر أقل من ذلك بكثير.

القاعدة الاقتصادية الشعبية تقول: "اشتر على الإشاعة وبيع على الخبر"، أما ما حدث الآن فهو العكس وسنترك الأيام القادمة تروي لنا بقية مأساة الدولار!!.