عدد النساء في لبنان 2 مليون و91 ألف امرأة، من أصل 4 ملايين و100 ألف لبناني. يشكلن أكثر من نصف سكان لبنان، وبرغم ذلك يتعرضن للقمع الأسري والسياسي والديني... والتشريعي. لن نخوض في سلوكيات وتصريحات رجال دين يعتقدون أنفسهم ممثلي الله في السلطات اللبنانية، فيفرضون على كل تكوينات المجتمع حظر الزواج المدني ويجرمون ويحرمون أي مشروع يتعلق بحقوق المرأة اللبنانية. ولن نخوض في النص الديني الذي يشير في غير مكان إلى أحقية ممارسة العنف ضد المرأة، على اعتبار أن وجودها مسخّر لتلبية رغبات الرجل. فقد فرضت الجرائم التي تطال النساء في لبنان، وأخرها جريمة قتل رولا يعقوب، على نواب لبنان، أن يجتمعوا ويحرروا مشروع قانون "حماية النساء من العنف الأسري"، وذلك بعد مماطلة وتسويف استمرّا منذ العام 2010، وهو عام صدور المرسوم الرقم 4116 المتعلق بهذا المشروع من قبل الحكومة اللبنانية. إلا أن النواب، الذين هشّموا بنود المشروع من ألفه إلى يائه في نهاية العام الماضي، أقروا مشروعاً مسخاً واستعاروا من عنف الأزواج صفعاتهم إلى وجوه نساء لبنان. فالنساء المعنفات لم يحصلن على مشروع يحميهن فعلياً، وإنما على "بالون" تشريعي لا يجرّم العنف ضد المرأة والذي يمارس على أساس جنسها، ولا الإغتصاب الزوجي ولا حماية المعنّفة لأطفالها وحضانتهم، ولا حتى يسمح للمرأة بالشكوى، بعد أن طال التعديل مكان تقديم الشكوى، من النيابة العامة والمخافر التي يمكن أن تكون قريبة من منزل المعنفات، الى رفع الدعاوى لدى قاضي التحقيق.
الأكثر تحقيراً للمرأة من إقرار كل هذه التعديلات، هو إقرار اللجان تعديل اسم مشروع قانون "حماية النساء من العنف الأسري" والمادتين 2 و3 اللتين تشيران صراحة إلى العنف الممارس ضد المرأة حصراً، ليصبح مشروع قانون يحمي أفراد الأسرة من العنف المتبادل، ليضيف على كلمة "النساء" عبارة "جميع أفراد الأسرة". علماً ان كل الدراسات العلمية والميدانية تشير إلى أن أكثر من 80 في المئة من حالات التعنيف داخل الأسر تطال النساء حصراً. في حين أن تبرير توسيع دائرة الحماية لتشمل الأطفال، ينسفه مشروع قانون متعلق حصراً بالعنف الممارس ضد الأحداث في الأسر وموجود في الهيئة العامة لمجلس النواب منذ أيلول من العام 2012. هكذا، خرح النواب بضحكة يظنون أنها قد تنطلي على النساء، بحكم أنهن "ناقصات العقل".
عدد المعنفات في لبنان ليس مدرجاً على قائمة الأولويات الإحصائية الرسمية طبعاً. إلا أن التقديرات تشير الى أن لبنان يشهد وفاة امرأة كل عام نتيجة العنف الأسري. في حين تشير دراسة ميدانية من تأليف الدكتورة فهمية شرف الدين بعنوان "آلام النساء وأحزانهن: العنف الزوجي في لبنان"، والتي استهدفت عينة من النساء موزعة على كافة المناطق والطوائف أن 87 في المئة من النساء يتعرضن لعنف كلامي، و 68.3 في المئة يتعرضن لعنف جسدي، و55 في المئة يتعرضن لعنف جنسي، في حين أن 65 في المئة من النساء يتعرضن لعنف اقتصادي (حرمان من المال أو منع من ممارسة العمل). وإذا أردنا تعميم هذه النسب على نساء لبنان، يكون عدد النساء اللواتي يتعرضن لعنف لفظي مليون و818 ألف امرأة. وجسدي مليون و427 ألف امرأة. وجنسي مليون و149 ألف امرأة، واقتصادي مليون و358 ألف امراة. في حين يشير برنامج من إعداد المؤسسة الدوليّة للنظم الانتخابيّة (ifes) ومعهد البحوث في السياسات المتعلِّقة بالمرأة (iwpr) بتمويلٍ من الوكالة الكنديّة للتنمية الدوليّة (cida) إلى أن 19 في المئة من النساء يعانين من حظر الخروج من المنزل أي ما يوازي 400 ألف امرأة في حال طبقنا النسبة هذه على عدد النساء الإجمالي في لبنان (بينهن 170 ألف امرأة يعانين من الحظر المطلق). ويرتفع العدد في حال تطبيق هذه النسبة بحسب الشرائح العمرية للنساء. ويُفيد البرنامج أن 83% من النساء و79% من الرجال يعتبرون أنّ العنف المنزلي بحقّ المرأة ليس مبرراً على الإطلاق. ما يعني أن 17% من النساء و21% من الرجال يجدون مبررات لهذا العنف.
كذلك، تشير دراسة لصندوق الامم المتحدة للسكان إلى ان 35 في المئة من النساء اللواتي تعالجن في مراكز للرعاية الصحية في لبنان تعرضن لنوع واحد على الأقل من العنف (ما يوازي 731 ألف امرأة). والتعنيف ضد المرأة ليس سراً، وليس محجوباً عن صانعي القرار الذين أقروا اليوم المشروع الذليل. ففي العام 2008 أجابت الحكومة اللبنانية عن سؤال لمنظمة الصحة العالمية حول عدد النساء ضحايا العنف في لبنان، بأنه يوجد 434 امرأة ضحية العنف بشتى أنواعه، 170 منهن تعرضن للإعتداء والضرب، و119 للترهيب.
هي ليست قضية نقص في المعلومات، فالدراسات والحالات التي تتحدث عن العنف الأسري ضد النساء لا تنتهي، وتكاد تكون يومية، هي قضية نواب خاضعون لحكم مذاهبهم، وهي قضية مجتمع يتجه أكثر فأكثر نحو اعتبار العنف ضد المرأة حالة عادية وبديهية في بلد اصبح عدد كبير من سكانه هواة موت.