English  عربي
 
 
Forum BLOGS WHAT'S NEW CONTACT US STORE
  • Today's Posts
  • FAQ Calendar
  • Community
  • Forum Actions
  • Quick Links
  • Click here
    Register - Email and Blog
    Login   - Email | Blog
    arrow Home arrow Forum Print :
     

    Welcome to Arabs.com

            Advanced Search  
    Arabs.com is delighted to launch personalized emails (eg. name@arabs.com) and personalized blogs (eg. name.arabs.com) Register Here
    Results 1 to 2 of 2
    1. Senior Member
      Join Date
      Jul 2011
      Location
      قرطاج
      Posts
      342

      تونس: ثورة المواطنة.. "ثورة بلا رأس"

      مقدمة

      "الحاكم العادل يظهر له الشعب الولاء ويبطن له الحب والوفاء، فإذا نزلت نازلة جعلوا نحورهم دون نحره، والحاكم الظالم يظهر له الشعب الولاء ويبطن له الكره والبغضاء، فإذا نزلت به نازلة أسلموه ولا يبالون". عبد الرحمن بن خلدون

      حَكم الرئيس التونسي زين العابدين بن علي البلاد أكثر من عقدين من الزمن، وخلال هذه الفترة أظهر الشعب له الولاء وأبطن له الكره والبغضاء؛ لكن تعاظم الظلم والقمع أخرج ما يبطنه الناس إلى العلن. وجاء هذا الإعلان في شكل ثورة عارمة، استوقفت العديد من الباحثين في العلوم السياسية ومسألة الديمقراطية. والحقيقة أنّ سؤال الديمقراطية العربية كان ومازال مطروحًا على جدول أعمال مفكّرين عرب، عكفوا منذ سنواتٍ على تقديم مبادرات وقراءات استشرافية للحالة العربية.

      وتجسّدت الثورة التونسية ثورةً شعبية بكلّ المعايير، وهو ما استرعى اهتمام العديد من المؤرّخين والكتاب في المجالات كافّةً، وستكون الثورة موضوعًا غنيًّا للعديد من الأبحاث والمؤلّفات للبحث في جوانبها المختلفة، ولسنوات. وهنا يجتهد الباحث في استعراض ملامح هذه الثورة من زوايا مختلفة لتقديم رؤية أوّلية للأحداث بصورةٍ أكاديمية تستتبع بكتاب.

      ومثّلت الثورة الشعبية التونسية التي أدّت إلى هروب الرئيس التونسي زين العابدين بن علي إلى السعودية والإطاحة بنظام حكمه الذي استمرّ مدة 23 عاما علامة فارقة وبداية مرحلة تاريخية جديدة في العالم العربي. ولم تتوقّف موجات هذه الثورة عند حدود تونس بل تعدّتها إلى العديد من البلاد العربية، ففعلت فعلها، وفجّرت في هذه الشعوب الطاقة الكامنة، تغذّيها القواسم المشتركة من الفساد والتسلّط وحكم الحزب الواحد وتمركز ثروات الأمّة في يد فئةٍ قليلة من أصحاب رؤوس الأموال الذين تراكمت ثرواتهم على حساب قوت الشّعب ومصادرة حريته باستخدام العصا الأمنيّة الغليظة.

      حَكم الرئيس التونسي زين العابدين بن علي البلاد أكثر من عقدين من الزمن، وخلال هذه الفترة أظهر الشعب له الولاء وأبطن له الكره والبغضاء؛ لكن تعاظم الظلم والقمع أخرج ما يبطنه الناس إلى العلن. وجاء هذا الإعلان في شكل ثورة عارمة، استوقفت العديد من الباحثين في العلوم السياسية ومسألة الديمقراطية. والحقيقة أنّ سؤال الديمقراطية العربية كان ومازال مطروحًا على جدول أعمال مفكّرين عرب، عكفوا منذ سنواتٍ على تقديم مبادرات وقراءات استشرافية للحالة العربية[1].

      جسّدت الثورة التونسية ثورةً شعبية بكلّ المعايير، وهو ما استرعى اهتمام العديد من المؤرّخين والكتاب في المجالات كافّةً، وستكون الثورة موضوعًا غنيًّا للعديد من الأبحاث والمؤلّفات للبحث في جوانبها المختلفة، ولسنوات. وهنا يجتهد الباحث في استعراض ملامح هذه الثورة من زوايا مختلفة لتقديم رؤية أوّلية للأحداث بصورةٍ أكاديمية تستتبع بكتاب.

      لمحة تاريخية:

      استلم زين العابدين بن علي الحكم فجْر 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 1987 بعد انقلابه "الدستوري" على الزعيم الحبيب بورقيبة. وعاشت تونس تحت حكم بن علي أسوأ أنواع الحكم الاستبدادي، خاصةً من قبل الشخصيات الأمنية التي استبدّت بالحكم وجعلت من الديمقراطية والحرية فزّاعة النظام والمحسوبين عليه. وقد نالت المعارضة الإسلامية نصيب الأسد من التعذيب والتطهير والاجتثاث. وشهدت تونس توجيه ضربات متتالية لحرية المعتقد والحريات العامّة، وخاصّةً حرية التعبير. وجرى تدريب أجهزة الأمن التونسية على أنّ أصحاب الآراء والدّاعين للديمقراطية خطر يجب اجتثاثه. وشهدت الساحة التونسية أحداثاً عديدة وعلى فترات متقاربة ومتباعدة عزّزت في مجموعها من حالة الاحتقان التي بلغت ذروتها عبر الثورة، فقد كانت أحداث الحوض المنجمي والانقلاب على الاتّفاقيات بين قيادة الاحتجاج والنظام وما ترتّب على ذلك من قمعٍ واضطهاد ومحاكمات؛ كما كان لتسريبات "ويكيليكس" بشأن فساد نظام الحكم، صداها وإن عملت جماعات الرقابة الأمنية على منْع وصولها للمواطن التونسي من خلال عمليات الحجْب والمنع والإغلاق للعديد من المواقع الالكترونية.

      منهجية البحث:

      مشكلة البحث: تكمن مشكلة البحث في وجود نظام حكم تسلّطي استبدادي، حكم تونس مدّة ثلاثة وعشرين عامًا، وأنتج واقعًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا صعبًا أدّى إلى تراكم حالةٍ من الاحتقان والشعور بالتهميش ممّا أدّى إلى اندلاع ثورة عارمة أطاحت بالنظام يوم 14/01/2011. ويحاول البحث استجلاء ما إذا كانت الثورة منظّمة أو أنها كانت عفوية خارجة عن أيّ شكلٍ من أشكال التنظيم؟

      أهمية البحث: تنبع أهمية البحث من نجاح الثورة الشعبية التونسية ضدّ نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي ووصولها إلى هدفها بإسقاط رأس النظام وهروبه للخارج وبداية مرحلة جديدة للتحوّل الديمقراطي في تونس. إلى جانب أنّ هذه الثورة تختلف عن غيرها من الثورات الشعبيّة من حيث لم تكن لها قيادة سياسية ظاهرة وواضحة، وذلك ما كان على الأقلّ في مراحلها الأولى.

      أهداف البحث: يهدف هذا البحث إلى تقديم قراءة أوّلية للثورة التونسية حتى لحظة إسقاط الرئيس بن علي. وهناك عدد من الأهداف المكمّلة وهي كالتالي:

      1. التعرّف على إرهاصات انتفاض التونسيين وإسقاطهم للنظام الحاكم.
      2. تبيان المحفّزات الشعبية التي دفعت بالجماهير إلى الشارع وصولاً إلى قصر قرطاج وهروب بن علي.
      3. فهم طبيعة المقوّمات التي حافظت على استمرارية الثورة ما قبل سقوط رأس النظام وبعده.
      4. تحليل مكوّنات الحراك الشعبي التي أعادت إنتاج روح الديمقراطية.

      أسئلة الدراسة:

      * ما هي الأسباب والعوامل التي أدّت إلى اندلاع الثورة التونسية؟
      * كيف استطاعت ثورة شعبية من دون قيادة سياسية واضحة الوصول إلى أهدافها وإسقاط النظام؟

      الإطار النظري للبحث:

      في تعريفه لمفهوم الثورة يقول "أيرك هوبزباوم" (Eric Hobsbawm): إنّ الثورة هي تحوّل كبير في بنية المجتمع. ويركّز على فكرة التحوّل (Transformation) ولكن زمكانيّة التحوّل الذي تحدّث عنه الكاتب هي أوروبا ما بين عاميْ 1789-1848[2]. ويشير إلى أربعة عناصر تسترعي الاهتمام عند الحديث عن الثورة وهي:

      الخصوصية: وهنا يركّز هوبزباوم على أنّ لكل ثورة خصوصيتها من حيث الزّمان والمكان، وليس هناك تشابهٌ أو تطابق بين ثورتين.

      وفى السياق العربي فإن لكلّ بلد خصوصيته من التكوين الديمغرافي والطبيعة الجغرافية وحتى الطبائع البشرية، فتونس تختلف بتركيبتها الديموغرافية وطبيعتها الجغرافية عن الشعوب المجاورة، ولها خصوصيتها التي تميّزها عن الآخرين. ولعلّ في ذلك نفياً لبعض المقارنات التي حاولت القول بأنّ الثورة التونسية جاءت شكلاً مكرّرًا للثورة في إيران عام 1979.

      النصر: ويعني انتصار منظومة جديدة على منظومة قديمة، ويشير هوبزباوم هنا إلى انتصار الفكر الرأسمالي الليبرالي على الفكر الاقتصادي الإقطاعي. وفي الإطار العربي لهذا العنصر يمكن الحديث عن غلبة منظومة قيمية عربية بكافة جوانبها على منظومة قيمية قديمة. وبيت القصيد في الحالة العربية حدوث حالة قطيعة بين منظومتين تختلفان عن بعضهما البعض بصورة كاملة.

      البعد الجغرافي للثورة: حيث يشير هوبزباوم إلى تأثير هذا البعد في مناطق دول الجوار وفي صيرورة التحوّل (في إشارة منه إلى تأثير أوروبا في أميركا الشمالية). وفي السياق العربي يبرز هذا البعد بصورة جليّة في انتقال الثورة من دولةٍ إلى أخرى، وذلك نظرًا إلى التقارب الجغرافي ووحدة الدّين واللغة والتاريخ المشترك وإلى تقارب الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي لأغلب الدول العربية. وثورة تونس يجب أن تفهم ضمن هذا السياق، حيث امتدّت موجات الثورة إلى مناطقَ جغرافية مجاورة في اتّجاه الشرق والغرب، وهو ما عبّر عنه المفكّر العربي عزمي بشارة في إطار قراءته للثورة التونسية[3].

      التراكمية: وهنا يُرجع هوبزباوم تفجّر الثورة إلى عوامل متراكمة عبر عدد من السنين أحدثت ضغطًا على القاعدة فولّدت الانفجار الذي يجسّد حالة الثورة. وفي السياق العربي يمكن القول بأن ثورة تونس هي نتاج تراكم عوامل ضغط اجتماعي واقتصادي وسياسي على القاعدة الشعبية ممّا أدّى إلى تفجّر الثورة التونسية، وهذا ينسحب كذلك على العديد من الدول العربية التي شهدت وستشهد ثورات مشابهة.

      في السياق الأوروبي، يتحدّث هوبزباوم عن أزمات الأنظمة البائدة شمال العالم وغربه، ويحدّدها في فقدان الشّرعية واستفحال الاستبداد ومصادرة الحرية بالإضافة إلى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في شمال أميركا وغرب أوروبا. وتمثّل هذه الأزمات القاسم المشترك مع الثورة التونسية، حيث توالت في السنوات الأخيرة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وأزمات حقوق الإنسان والحريات والتي أسهمت بشكل رئيس في تفجّر هذه الثورة.

      وأجد هنا أنه لابد من التوقّف عند المصطلحات المستخدمة في وصف الثورة التونسية ومن ذلك مصطلح "ثورة الياسمين"، وأرى أنّ هذا المصطلح استشراقي يقلّل من أهمية الثورة، التي تمثّل في نظر صانعيها ثورة حريّة وكرامة قدّموا لأجلها الكثير من الدّماء، ومكابدة نظام بوليسي استبدادي، وهذه الثورة لم تكن كما جرى تصويرها وفق نظرة استشراقية غربيّة وكأنها نزهه في حديقة ياسمين. والحراك الذي لمسه الباحث في مناطق سيدي بوزيد والقصرين يعبّر عن حقيقة ما تعنيه هذه الثورة من سعْي إلى الحرية والكرامة، وفق ما يؤكّده المحامي خالد العوينية[4]، أحد القيادات الميدانية خلال الثورة.

      ويحاول روجر بيترسن (Roger Petersen)، مؤلّف كتاب "المقاومة والتمرد"[5]، عند دراسته لسلوك ثورات في أوروبا الشرقية الإجابة عن سؤال: كيف يستطيع الناس العاديّون التمرّد على أنظمة قويّة ووحشيّة عنيفة؟ ويرى في تفسيره النظري لذلك أنّ الثورة تبدأ على شكل احتجاجات وهذه الاحتجاجات تأخذ بعدًا شعبيًّا، تكسر حاجز الخوف أو ينسى الناس الخوف، ومن ثمّ تتحوّل إلى غضب شعبي عارم تطلَق عليه صفة ثورة. ويمكن إسقاط ذلك بشكل واقعي على الثورة التونسية، ففي السياق التونسي بدأت احتجاجات بسيطة في سيدي بوزيد لفترة من الوقت، ثم اتّخذت بعداً شعبيًّا، وبشكل تصاعدي انتقلت إلى مدن أخرى وبالأخصّ العاصمة تونس، وتحوّلت إلى غضب شعبي استطاع أن يسقط نظام الرئيس المخلوع بن علي.

      ومن المصطلحات العديدة التي يقع تداولها عند الإشارة إلى أحداث تونس مصطلح "انتفاضة" والذي نحته الفلسطينيون في مواجهة آلة القمع والبطش الإسرائيلية بصدورهم العارية. ويرى الباحث أنّ الثورات العربية ليست بعيدةً عن النموذج الانتفاضي الفلسطيني، حيث أنها -في جانب مهم منها- تستلهم هذا النموذج للتحرّر من الاستبداد والظلم[6]. وهو ما سبق وأشار إليه الباحث في ورقة بحثيّة بعنوان "نحو حكم عربي رشيد: من ديمقراطية الخبز إلى ديمقراطية الانتخاب"، حيث حاول الربط بيْن الانتفاضة الفلسطينية وانتفاضات الخبز العربية من أجل الوصول إلى فهم ديناميكية الحراك الشعبي في الوطن العربي[7].

      و تجدر الإشارة هنا إلى أنّ مصطلح الثورة سوف يتم استخدامه بحسب توصيف هوبزباوم للثورة بكونها قطيعة بين منظومة قديمة ومنظومة حديثة، وهذا ما حدث في تونس. ويمكن استخدام مصطلح الانتفاضة عند الإشارة إلى الأحداث في تونس عند بدايتها[8].

      . أولا: إرهاصات الثورة

      يركّز التحليل في هذا الجزء على تناول العوامل والخلفيات التي تفسّر حالة الحراك الشعبي التونسي والذي قاد في النهاية إلى نجاح الثورة.

      1- الموروث الثقافي والفكري

      تتميز تونس بتاريخٍ زاخر بالعلماء والمفكّرين والشعراء والأدباء ورجال السياسة والحكم إلى جانب تراثها الكبير المستمدّ من حاضرة بلاد المغرب العربي "مدينة القيروان" وجامعتها العريقة "جامعة الزيتونة"؛ فالعديد من أعلام العالم العربي والإسلامي من أدباء ومفكّرين ينتمون لهذا البلد أو عاشوا فيه من أمثال المفكّر الإسلامي الكبير العلاّمة عبد الرحمن بن خلدون، والمصلح خير الدين باشا التونسي والشاعر الملهم أبي القاسم الشابي، بالإضافة إلى عددٍ من رجال الفكر والسياسة الذين واجهوا الاستعمار بفكرهم وأدبياتهم السياسية. ولا تزال هذه الأدبيات حاضرةً في فكر الشعب التونسي ووجدانه، وكان ولا يزال لها بالغ الأثر في إحداث حالة الحراك السياسي في تونس، والتي توّجت بهذه الثورة الشعبية.

      ومن القضايا التي تستوقف الباحث أيضًا، قدرة الشعب على استحضار الأدب والشعر، ومن ذلك شعر أبي القاسم الشابي وتوظيفه في الثورة ضدّ الرئيس المخلوع بن علي، وهو ما حدث عندما كان المتظاهرون يردّدون "إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابدّ أنْ يستجيب القدر". وظهرت أيضًا أدبيات القائد التونسي "فرحات حشاد" كشعارات رئيسة رفعتها الثورة من قبيل "حرية، ديمقراطية، عدالة اجتماعية".

      ومن أهمّ كتب التاريخ التي تعدّ مرجعًا لما شهدته تونس، كتاب إتحاف أهل الزمان للمؤرّخ التونسي أحمد بن أبي الضياف[9]. ويكشف هذا الكتاب عن قضيّة مهمّة وهي أنّ الإصلاح لم يكن فكرةً غربيّة مستوردة في ذلك الزمن كما يروّج كثيرون، فالمؤلف في مقدمته الطويلة ينظّر للإصلاح بشكلٍ يرفض الحكم المطلق ويدعو إلى تقييده بالشّرع، ويورد حججًا لا حصْر لها مدافعًا عن دعوته إلى الإصلاح وضرورة وضع حدٍّ لظلم البايات وتجاوزاتهم (كان الحكّام الإقليميون في المغرب العربي خلال الفترة العثمانية يحملون لقب "باي" وجمْعه "بايات").

      وقف ابن أبي الضياف وهو العالم بالشريعة ضدّ الاستبداد والحكم المطلق مهْما كان نوعه. ورأى أنّ الاستبداد ضدّ حكم الشّرع، ولذلك فهو باطل، فعندما يُثقل الحاكم المستبدّ كاهل مواطنيه بالضرائب والغلاء يصبح استمرار حكمه خطأً تاماً. وفي هذا الكتاب دعوةٌ للعلماء المسلمين ليدركوا ما سمّاه المؤرّخ "حال الوقت"، ويقصد به التطوّر الذي لا بدّ أنْ يصيب الجماعة داخل إطار الأمّة الكبير. والمهم أن يتوصّل أهل العلم وأهل الحكم إلى المعادلة التي توازِن بين ذلك كلّه، شرط أن تأتي محكومة بالعدالة.

      وفي المحصلة، لا يمكن إسقاط الزخم الذي اتّسمت به تونس كونها أحد أقطاب عصر النهضة العربية وأوّل دولة شرّعت دستورًا في العالم الإسلامي إلى جانب أنها أوّل دولة عربية إسلامية أنهتْ الرقّ والعبودية.

      وهو ما أعتقد أنه منح شحنةً معرفية ونضاليّة ذات امتداد تاريخي على مدار 150 عامًا، وأسهم في تعزيز شرعيّة مطالب هذه الثورة وأمدّها بمخزونٍ فكري إصلاحي نهضوي[10].

      2- الواقع الاقتصادي

      "
      لا يمكن إسقاط الزخم الذي اتّسمت به تونس كونها أحد أقطاب عصر النهضة العربية وأوّل دولة شرّعت دستورًا في العالم الإسلامي إلى جانب أنها أوّل دولة عربية إسلامية أنهتْ الرقّ والعبودية.
      "
      حظي الواقع الاقتصادي لتونس بالكثير من الدعم والتأييد من المؤسسات الدولية، ومن الدول الاقتصادية الكبرى. فقد أشاد كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بمعدلات التنمية الاقتصادية؛ كما حظي الرئيس التونسي المخلوع، بالإعجاب والإشادة بهذه التنمية من الرئيس الفرنسي الأسبق، جاك شيراك، في زيارته إلى تونس في كانون الأول/ ديسمبر 2001. لكن هذه التقديرات لا تعكس الواقع الاقتصادي الحقيقي لواقع الدولة التونسية ككل. فمناطق الشمال التونسي حظيت، على مدار سنوات حكم الرئيس المخلوع بن علي، بالأفضلية والدعم المتواصل والسخي، في حين عانت مناطق الوسط والجنوب من التهميش والتجاهل لفترات طويلة.

      ويشير المعهد الوطني للإحصاء التونسي إلى أن معدل البطالة للعام 2010 لم يتجاوز 13%، في حين تشير مصادر غير حكومية، ومن ضمنها الاتحاد العام التونسي للشغل، إلى نسبة أكبر تقدر ب 50%، وبخاصة في مناطق الوسط والجنوب.

      أما على صعيد توزيع الثروة، فشهدت تونس تباينات متفاوتة حيث تتمركز الثروة في يد فئة قليلة مرتبطة- بصورة مباشرة أو غير مباشرة- بنظام الحكم في تونس. وفي هذا السياق كشف كتاب لمؤلفيْه الفرنسييْن نيكولا بو وكاترين غراسييه (Nicolas Beau et Catherine Graciet) بعنوان" La régente de Carthage" (حاكمة قرطاج)، عن مدى تغلغل نفوذ ليلى الطرابلسي زوجة الرئيس المخلوع بن علي وعائلتها، في الهيمنة والسيطرة على نسبة كبيرة من النشاط الاقتصادي، إما عبر امتلاك الشركات والمؤسسات الاقتصادية والمالية، أو عبر العمل كوسيط بعمولة مالية من أجل تسهيل الإجراءات الإدارية أو المالية[11]. وقد أوردت صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية- بهذا الخصوص- أن أسرة الرئيس المخلوع وأسرة زوجته ليلى الطرابلسي، سيطرتا على 40% من مجمل النشاط الاقتصادي التونسي[12].

      تشير مؤسسة الشفافية الدولية في تقريرها السنوي للعام 2010، فيما يتعلق بمستوى الفساد في تونس، أن تونس تحتل المرتبة 62 من أصل 180 دولة شملها التقرير، من حيث تفشي درجة الفساد في أجهزة الدولة ومؤسساتها[13]. وفي نفس الإطار، تشير الباحثة "بياتريس إيبو" من مركز الدراسات والبحوث الدولية، إلى أن زوجة الرئيسي المخلوع وأفراداً من عائلته، نجحوا في الوصول إلى جميع الشركات الكبرى عبر أداء دور الوسيط في جميع عمليات الخصخصة، وطلبات الشراء الكبرى، والحصول على عمولات من هذه الشركات[14].

      وعلى صعيد معدلات التنمية الاقتصادية، يشير المعهد الوطني للإحصاء التونسي في نشرته الإحصائية للعام 2008، إلى أن مجموع ما أُنفق على التنمية من خلال وزارة التنمية والتعاون الدولي خلال الأعوام الثلاثة 2006-2008، بلغ 311.6 مليون دينار تونسي، في حين يورد نفس التقرير أن ما أُنفق من ميزانية الدولة تحت بند البيئة والتنمية المستديمة خلال نفس الفترة بلغ ما قيمته 306.5 مليون دينار تونسي[15]. ومن شأن هذه الحقيقة أن تفتح مجال النقاش واسعا في شأن آليات وكيفية إنفاق هذه الأموال وتوزيعها، ولماذا بقيت مناطق الجنوب والوسط تعاني من حالة التهميش وضعف فرص التنمية.

      يتميز المجتمع التونسي بخاصية الفتوة (مجتمع فتيّ) حيث تبلغ نسبة الشباب من سن 15-39 سنة نحو 43.7% من مجموع السكان. ويتمتع سوق العمل التونسي بارتفاع نسبة القادرين على العمل، حيث تبلغ هذه النسبة في الفئة العمرية من سن 15-59 سنة ما يقارب 66.4%[16]. ويقدّر عدد العاطلين عن العمل بحسب الإحصائيات الرسمية الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء للعام 2010 بنحو 491 ألف عاطل عن العمل، بنسبة قدرها 13% بحسب نفس المصدر. ولكن عند النظر إلى توزيع العاطلين عن العمل بحسب حسب الفئات العمرية، يتبين ان نسبة العاطلين عن العمل في الفئة العمرية 20-29 سنة تبلغ 60.1% فقط، كما يظهر من الجدول الرقم 41.

      3- الواقع الاجتماعي

      يمثل الواقع الاجتماعي الذي تعيشه تونس أحد العوامل التي أسهمت في تفجر الثورة. تشير الإحصائيات السكانية إلى ارتفاع نسبة الشباب -كشريحة سكانية- في المجتمع التونسي. بحسب ووفقاً لبيانات المعهد الوطني للإحصاء، فقد بلغت نسبة من هم في الفئة العمرية 15-29 سنة نحو 28.4% وتصل النسبة إلى 43.7% للعمرية 15-39 سنة. وهذا مؤشر على غلبة العنصر الشبابي في المجتمع التونسي.

      أما من حيث الحالة الاجتماعية، فوصلت نسبة غير المتزوجين في الفئة العمرية 15 سنة فما فوق إلى 40.5%[17]، وهذا يشير إلى ضعف القدرة المادية -لدى فئة الشباب الراغب في الزواج- وعجزهم عن تأسيس حياة أسرية مستقرة. يضع حسين الديماسي[18]، أستاذ الاقتصاد بكلية الحقوق بجامعة سوسة، تردي الحالة الاقتصادية وارتفاع نسب البطالة، كسبب رئيس يعيق الشباب التونسي عن تكوين حياة أسرية جديدة.

      وتشير الإحصائيات الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء للعام 2010، فيما يتعلق بالأحوال المعيشية للسكان، إلى أن 33.9% من مجموع السكان، أي ما يزيد عن ثلث السكان، يعيش في وسط غير بلدي منظم، وهذا يعني تدني مستويات الخدمات المقدمة للسكان من حيث الكهرباء والمياه وشبكة الطرق والصرف الصحي والنظافة، إلى غير ذلك من الخدمات التي تقدمها المجالس البلدية. وتشير س الإحصائيات نفسها إلى أن هذه النسبة كانت 35.1% في العام 2004.

      وانخفضت هذه النسبة بمقدار 1.2% على مدار ست سنوات، مما يفتح باب النقاش واسعا في شأن سياسات حكومة (بن علي) خلال السنوات السابقة. وتتركز هذه النسبة في مناطق الوسط والجنوب الذي يمثل قاطنوه ما نسبته 51.2% من مجمل عدد السكان في تونس. وتعود معانا ة هذه المناطق وتهميشها -من قبل النظام الحاكم- إلى فترة حكم الحبيب بورقيبة[19]، لكن هذه المعاناة تعاظمت وأخذت أبعاداً اجتماعية خطيرة في عهد الرئيس المخلوع بن علي.

      وتعاني الأسر التونسية من نقص في مياه الشرب. وتشير الإحصائيات الواردة في الجدول الرقم 49 إلى أن هناك ما يقارب 13.8% من الأسر لا تصلها مياه صالحة للشرب من شركة توزيع المياه[20].

      وتمثّل سيدي بوزيد، والقصرين، حالات صارخة للفقر المدقع، والمعاناة المستمرّة من البطالة، وضعف القدرة على تلبية الاحتياجات البسيطة للأسرة التونسية. وفي هذه المناطق تسهل ملاحظة العديد من الأسر التونسية التي تعيش على العشوائيات من شدة الفقر وتفشي البطالة. ولولا المنظومة الاجتماعية السائدة في تونس لكانت الحالة أسوء ممّا هي عليه.

      4- المستوى التعليمي

      تحل تونس في موقع متقدم بين جاراتها من دول المغرب العربي من حيث مستوى التعليم، ومع ذلك تعتبر نسبة الأمية والتي تبلغ 19% نسبة مرتفعة. وتشير الإحصاءات الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء أن نسبة الأمية لا تتجاوز 2.1% لدى الفئة العمرية (10-14 سنة) و2% لدى الفئة العمرية (15-19 سنة) و7.4% لدى الفئة العمرية (20-29 سنة)، بينما تناهز هذه النسبة 60% لدى الفئة العمرية (60-69 سنة) و81% لدى الفئة العمرية (70 سنة وأكثر).

      ومن حيث التوزيع الجغرافي تصل نسبة الأمية في المناطق المصنفة "غير بلدي" (الخارجة من التنظيم) إلى 30.6%. بالمقارنة بــ 13.2% بالمناطق البلدية المنظمة. وهذا دليل آخر على سياسة التهميش التي مورست بحق هذه المناطق.

      من ناحية أخرى، تشير الإحصائيات الخاصة بتوزيع المشتغلين حسب المستوى التعليمي إلى أن المشتغلين من حملة المؤهلات العليا (تحت تصنيف مستوى تعليم أعلى) يشكلون 16.2%، في حين تصل هذه النسبة إلى 37.2% للمشتغلين تحت تصنيف ثانوي، وإلى 35.6% للمشتغلين تحت تصنيف ابتدائي. وهذا مؤشر على ضعف الطاقة الاستيعابية لسوق العمل التونسي لمن هم من حملة الشهادات العليا وعلى ارتفاع نسبة البطالة في أوساط هذه الشريحة من القوى العاملة التونسية. وهذا ما تظهره الإحصائيات الواردة في الجدول الرقم 36 والتي تشير إلى ارتفاع نسبة البطالة في أوساط المتعلمين[21]. فقد بلغت نسبة البطالة 39.4% بين المصنفين "تعليم ثانوي" و32% بين المصنفين "تعليم عالي"، وبلغت مستوى متدنياً جدا بين الفئة المصنفة "لا شيء تعليميا" حيث قدرت بــ 4.5%.

      5- الواقع السياسي

      تمثلت الحياة السياسية في تونس بسيطرة حزب التجمع الدستوري الديمقراطي وهيمنته على مجمل نشاطات الحياة السياسية ومجرياتها. وزادت وتيرة هذه الهيمنة والسيطرة على الحياة السياسية مع وصول رئيس الحزب- الرئيس المخلوع- للحكم في العام 1987، على إثر انقلاب أبيض قاده بن علي، على الرئيس الحبيب بورقيبة. ومنذ ذلك التاريخ وحتى سقوط بن علي في الثورة الشعبية التي أطاحت به يوم 14/01/2011، سيطر الحزب على أغلبية المقاعد في مجلس النواب )أكثر من 80%من المقاعد) في كل الدورات الانتخابية التي أُجريت منذ العام 1989.

      وهكذا سيطر الحزب على مجمل الحياة النيابة في مجلس النواب، وترتب على ذلك صدور ن تشريعات وقوانين صبت في مجملها في مصلحة الحزب الحاكم. وظهر ذلك جليا من خلال التعديلات الدستورية التي قام بها مجلس النواب من أجل ضمان استمرار الرئيس المخلوع بن علي في السلطة، كتعديلات العام 1998 التي أزالت قيد عدد فترات الترشح لمنصب رئيس الجمهورية، وتعديلات العام 2002 التي ألغت تحديد فترات تولي الحكم، ورفعت سن الترشح للرؤساء من 70 إلى 75 سنة. وترتب على هذه التعديلات فوز مرشح حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي في الانتخابات الرئاسية للسنوات 1989 و1994 و1999 و2004 بنسبة 90% تزيد أو تنقص قليلا.

      الأحزاب والمشاركة السياسية: قدم الرئيس بن علي عند إمساكه بالسلطة في العام 1987، للشعب التونسي جملة من الوعود بالإصلاحات السياسية، وعلى رأسها إفساح المجال للمزيد من الحرية السياسية وانخراط الاحزاب في مشاركة سياسية حقيقية مع الحزب الحاكم. ولكن سرعان ما تبخرت هذه الوعود وتراجع بن علي عن هذه الإصلاحات وحكم تونس بقبضة حديدية، وجهت ضربة قوية إلى الحياة السياسة[22].

      مثلت هذه التعديلات في مجملها جمودا في الحياة السياسية، وتأكيدا لاحتكار الحزب الحاكم لهذه الحياة، مما أدى إلى انسداد الافق السياسي، وهيمنة أجواء سطوة الحزب الواحد، وقيادة الزعيم ا الأوحد، وهو ما انعكس سلبا على واقع الحياة في مجالاتها كافة، الاقتصادية، والاجتماعية، والحقوقية، الخ. وخيمت على تونس أجواء عدم الرضا السياسي ووجدت طبقات داخل المجتمع ناقمة وغاضبة، تملّكتها حالة من الشعور بالظلم والمهانة وضياع معاني الكرامة الإنسانية.

      ويرى أحمد بن صالح، الوزير الأول الأسبق في حكومة الحبيب بورقيبة في حقبة الستينيات[23]، أن "الاستبداد السياسي وعدم تطوير نظام ديمقراطي هو من الدوافع التي فجرت ثورة تونس أما المعارض السياسي المعروف، حمة الهمامي[24]، رئيس الحزب الشيوعي للعمال التونسيين فيتحدث عن جوانب سياسية واقتصادية ويقول: "لقد سادت فترة حكم بن علي حالة من الإقصاء المزدوج سياسيا واقتصاديا مما انعكس سلبا على واقع الحياة السياسية بمجملها، وهذا في رأيه السبب الرئيس في تفجر أحداث الثورة".

      شكلت الحياة الحزبية في تونس حالة من الدوران حول المحور، وكان حزب التجمع الدستوري الديمقراطي محور الحياة السياسية الذي تدور حوله مجموعة من الأحزاب الموالية[25]. ويرى منصف بن جعفر رئيس حزب التكتل من اجل العمل والحريات[26] "أن الحياة الحزبية التونسية عانت طوال سنوات حكم بن علي، من تغوّل الحزب الحاكم وتصفية القوى المعارضة الرئيسية لصالح أحزاب صغيرة تدور في فلك النظام، وان هذه الأحزاب التي يطلق عليها أحزاب الموالاة وُجدت من اجل إضفاء الصبغة الديمقراطية على الحياة الحزبية التونسية".

      ويرى زعيم حركة النهضة، التي تعد من أبرز الأحزاب التي عارضت نظام بن علي، الشيخ راشد الغنوشي أن بن علي عمد في بداية حكمه إلى إطلاق عدة آلاف من مساجين الحركة، ودخل في حوار مع قادتها لتسوية هذا الملف الخطر". ويعتقد الغنوشي أن "مشاركة حركة النهضة في انتخابات ابريل 1989، أعطت زخما كبيرا غير مسبوق، وهو ما كان يعبر عن الرأي العام من تفاؤل وأمل في المستقبل، لكن هذا الزخم الانتخابي جعل السلطة تسارع إلى الحلّ السهل القاتل، باعتماد خطة استئصال شامل للمعارض الأساسي في البلاد، أي حزب النهضة، وهو ما قاد إلى مزيج من القمع البوليسي والقضائي، والتشويه الإعلامي والإصرار على رمي المنافس السياسي بالإرهاب والأصولية وتهديد مكاسب الحداثة"[27]. وتعرضت الحركة للتصفية والإقصاء من الحياة السياسية التونسية برفض منحها الإطار القانوني للعمل السياسي بداية، ومن ثم ملاحقة أعضائها بتهم مختلفة، وزج قياداتها وعناصرها في السجون.

      لقد عاني المجتمع المدني في تونس من مضايقات كثيرة من قبل السلطات الرسمية التونسية خلال فترة حكم بن علي. وكان من الملاحظ على تلك الفترة أن "لا أحد من دوائر المجتمع المدني في تونس آمن من التدخل الحكومي، ولا حتى النقابات المهنية، إذا نُظر إليهم على أنهم ينتقدون الحكومة. إن الحكومة التونسية باستخدامها أساليب تتراوح بين وضع العراقيل البيروقراطية إلى الاعتداء البدني؛ تضع العديد من النقابات التونسية تحت رحمته"[28].

      إن هذا يؤكد أن النظام الحاكم قد أوجد منظومة حديدية لم تسمح بحراك مستقل لمنظمات ومؤسسات المجتمع المدني التونسي[29]. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل حقيقة النضالات التونسية في مجالات حقوق الانسان، والعمل النقابي، وسلك القضاء، والتي مثلت رصيدا مدنيا قطف ثماره في الثورة التي أدت إلى إسقاط نظامٍ من أعتى الأنظمة السلطوية والأحادية في الوطن العربي.

      6- واقع حقوق الإنسان

      يشهد واقع حقوق الإنسان في تونس ما قبل الثورة، سجلا حافلا من الانتقادات التي وجهها العديد من المؤسسات الحقوقية سواء أكانت دولية وإقليمية أو محلية إلى تونس، لسجلها في مجال حقوق الإنسان على مدار عقود من الزمن. غير أن تونس لم تشهد على المستوى الرسمي الدولي انتقادات كبيرة من حكومات ورؤساء العديد من الدول، بدعوى أن تونس شريك رئيس للغرب في مواجهة ما يطلق عليه بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر بــ "الحرب على الإرهاب"[30].


      ثانيا: محفزات الثورة

      لا يمكن فهم أحداث الثورة بدون الإشارة إلى المحفزات التي أسهمت إسهاماً كبيراً في استمرار الثورة، وفي نجاحها بإسقاط النظام وهروب الرئيس المخلوع بن علي وحاشيته. وهذه المحفزات هي:

      1- وسائل تكنولوجيا الاتصال الاجتماعي

      اعتمدت الثورة التونسية اعتمادا كبيرا على وسائط الإعلام الالكتروني وبخاصة مواقع التواصل الاجتماعي، في التواصل الجماهيري. ومثلت حلقة التواصل الأفقي هذه أحد أبرز أدوات نجاح الثورة. ومن خلال هذه الوسائط، ضمن الثائرون وصول صوتهم إلى قطاع كبير من الشباب التونسي بالإضافة إلى العالم الخارجي، ونقل الأحداث على طبيعتها وحقيقتها إلى قطاع كبير من الشعب التونسي.

      وتتميز تونس بارتفاع نسبة المتعلمين فيها بالمقارنة بدول مجاورة، وكذلك ارتفاع نسبة مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي التي هي الأعلى بين شباب الدول المجاورة. فخلال شهر كانون الثاني/ يناير 2011 بلغ عدد مستخدمي موقع التواصل الاجتماعي " فيس بوك" نحو 19.09% من مجموع السكان، وبلغت نسبة الشباب مستخدمي الموقع الذين تتراوح أعمارهم من 17 -44 سنة ما يقارب 87% من مجموع المستخدمين[31].

      وهذا مؤشر كبير على دور مثل هذه الوسائط في ظل تحكم النظام في وسائل الإعلام وهيمنته على مناخ حرية الرأي والتعبير. فقد مثلت هذه الوسائط متنفساً للثورة وللتعبير عن الرأي وتبادل والأفكار والآراء في شأن مشكلات المجتمع التونسي المختلفة، من اجتماعية واقتصادية وسياسية. وهناك عدد من المدونات الالكترونية التي كان لها دور واضح في تجاوز الممنوع في تونس وتناولها قضايا ساخنة، مثل "مدونة نواة"[32].

      لقد سهلت الوسائل الالكترونية التواصل و"ألغت طغيان المركز على الأطراف، وسهلت انسياب الأفكار والمعلومات بدون وجود مقص الرقيب"[33]. وتصف شابة شاركت في الثورة، الفضاء الالكتروني عبر موقع التواصل الاجتماعي " فيس بوك" بأنه تمرين على الحرية، حيث النقاش وتبادل الآراء والأفكار في شأن مشكلات المجتمع، وعندما حاول النظام حجب الموقع استطاع الناشطون الوصول الية عبر مواقع لفك الحجب باستخدام "البروكسي"[34].

      فكانت هذه المواقع الالكترونية من العوامل التي حرضت الجماهير على التظاهر والخروج إلى الشارع. ومع أن الثورة بدأت في مدينة سيدي بوزيد، إلا أنها سرعان ما تناقلتها هذه الوسائط على شكل دعوات وصور ومقاطع فيديو لتنتشر على الانترنت، وفى كثير من الأحيان كانت الدعوات للتظاهر تأخذ شكل دعوة على الفيس بوك وسرعان ما تتناقلها ألسن الناس لتصبح دعوة رسمية؛ فتحركت الجماهير في مظاهرات حاشدة وغاضبة عمت العديد من المدن التونسية. وفي جانب آخر، سجلت الثورة التونسية سابقة تاريخية عبدت الطريق للكثير من شعوب المنطقة لاستلهام فكرة التركيز على استخدام هذه الأدوات للتخلص من نير الظلم والطغيان.

      2-العصبية والحمية

      تتميز مناطق الوسط والجنوب بغلبة الطابع العشائري وسيطرة مفاهيم العصبية القبلية على أسلوب حياة الناس في هذه المناطق. وهذا لم يكن مقبولا من نظام الحبيب بورقيبة الذي حاول إضفاء الطابع المدني وغلبة مفاهيم الحداثة والانتماء إلى الوطن. لكن نظام الرئيس المخلوع بن علي، استخدم ورقة العشائرية ضمن سياسة فرق تسد من أجل تثبيت نظام حكمه؛ ثم ما لبث أن انقلب السحر على الساحر، إذ مثلت هذه الورقة أحد أبرز العوامل في تفجر الثورة. فعشيرة البوعزيزي أخذتها الحمية والعصبية القبلية لما تعرض له ابنها الشاب محمد البوعزيزي من إهانة على يد شرطية وعدم الاستماع إلى شكواه من قبل الوالي، ومن ثم قيامه بحرق نفسه أمام مقر الولاية، فحركت هذه الحادثة النزعة القبلية والعصبية العشائرية، "لقد تجمع أبناء العشيرة وقرروا الانتقام من رموز النظام، وخرجت جموع الغاضبين في مظاهرات عارمة التحق بها عدد كبير من شباب المدينة واشتبكوا مع الشرطة، وتحولت المظاهرة إلى اشتباكات عنيفة، وكلما ازدادت حدة عنف النظام ازدادت عزيمة الشباب وإصرارهم على تحقيق مطالبهم"[35].

      ويروي شباب كانوا من أوائل متصدري الثورة ضد نظام بن علي: "إن قوات البوليس حولت مدينة سيدي بوزيد إلى ثكنة عسكرية، فأعوان النظام في كل مكان، ولذلك كنا ننام في النهار ونخرج إلى الشارع في الليل، ننصب الكمائن لأعوان النظام في الأحياء المكتظة وفي العديد من الشوارع، إلى أن استطعنا أن نرهق البوليس وأعوان الأمن". لقد مثلت الحميمة والعصبية القبلية وقودا أمد الثورة في بدايتها بالطاقة، إلى أن التحقت بها القوى المجتمعية والحزبية واتسعت رقعتها ووصلت إلى العاصمة تونس.

      3- العفوية والدافعية الذاتية

      غلبت على أحداث الثورة صبغة العفوية والدافعية الذاتية. فاغلب من خرجوا في هذه الثورة، هم من الشباب غير "المؤدلج" وغير المنتمي إلى التيارات السياسية. ومثلت الدافعية الذاتية النابعة من الإحساس بالتهميش والظلم الاجتماعي والسياسي، السبب في تدفق الشباب إلى الشارع والانخراط في الأحداث بكافة أشكالها. واستمرت قوه هذه الدافعية تكبر يوما بعد يوم ككرة الثلج المتدحرجة إلى أن وصلت إلى مشارف قصر بن علي، وعلى أثرها قرر الهروب[36].

      هذه الدافعية الذاتية لم تتوقف مع هروب بن علي وإنجاز الهدف الكبير، بل استمرت الدافعية في التعبير عن نفسها باستمرار التظاهر لإسقاط الحكومة ورفعت عديد الشعارات خلال فترة ما بعد هروب بن علي من قبيل " بن علي في السعودية والحكومة هي هي"، و"الشعب يريد إسقاط الحكومة". وازدادت هذه الدافعية بانطلاق المسيرة الراجلة من مناطق الجنوب متجهه إلى العاصمة من أجل التظاهر في محاولة لإسقاط الحكومة. "واستطاع الشباب بدافعتيهم الذاتية، تحقيق عدد من المطالب التي حاول رموز النظام الالتفاف عليها، وسرقة الثورة وتفريغها من محتواها؛ فقامت الحكومة بإجراء تعديلات في الحكومة المؤقتة ترتقي قليلا إلى مطالب الشعب"[37].

      لقد مثلت الدافعية الذاتية والجاهزين للخروج إلى الشارع-إلى اليوم- الضامن الحقيقي لعدم الالتفاف على الثورة وتفريغها من محتواها، وسجلت الأيام التي تلت هروب بن علي، مدى دافعية الجماهير وقدرتها على النزول إلى الشارع[38].

      4- أزمة الثقة

      استطاع بن علي، خلال فترة حكمه، أن يؤسس لأزمة ثقة عميقة بينه وبين شعبه، وبرز ذلك جليا خلال الفترة الأخيرة من وجوده في السلطة، حيث خرج العديد من رموز النظام، من أمثال وزير التنمية والتعاون الدولي، محمد الهادي الجمويني، ووزير الاتصالات سمير العبيدي، ووزير التربية والتعليم وغيرهم من أركان النظام، على الشعب بوعود التنمية وخلق فرص العمل وتحقيق توزيع عادل للثروة؛ إلا أن هذه التصريحات لم يقابلها الناس بالتصديق، وزاد على ذلك خطابات بن علي الثلاثة إلى الشعب التونسي، فهذه الخطابات كأنها لم تكن، واستمر الشعب التونسي في ثورته. فأزمة عدم الثقة خلقت جدارا عاليا بين النظام والشعب، وبات الشعب مصمما على بلوغ هدفه في الحرية والخلاص من حقبة الاستبداد.

      وقادت عملية استقصاء لآراء عينة من الشباب التونسي العامل في سوق بومنديل وباب الفلة بتونس العاصمة[39]، إلى نتيجة مفادها أن الحكومة لم تدرك مطالب الجماهير المتظاهرة، التي باتت تعتقد أن من "المستحيل أن تحقق الحكومة وعودها بتشغيل 300 ألف مواطن في وقت قياسي، خاصة وأن الناس اختبروا مدى صدق هذه الوعود في الماضي. وفعلت خطابات بن علي فعلا عكسيا إذ إنها أججت نار الثورة. وترى ميه الجريبي، رئيسة الحزب التقدمي الاشتراكي، في تشخيصها لهذه العلاقة، أن نظام بن علي على مدار سنوات الحكم التي امتدت لــ23 عاما، خلق أزمة ثقة مع الشعب، وأن خطابات الرئيس المخلوع الأخيرة لم ترقَ إلى طموحات الناس، لكونها خطابات خالية من المصداقية. . ولم تحو سوى التهديد والهذيان"[40].

      5- عصا الأمن الثقيلة

      تتميز أغلب الأنظمة الديكتاتورية في دول العالم بغلبة الطابع الأمني لنظام الحكم، وسيطرة هاجس الأمن الشخصي للزعيم ونظامه على مجمل مناحي الحياة السياسية. فتتحول البلاد إلى جدر أمنية تلف بعضها بعضا من أجل حماية الزعيم والنظام، وتسخر كل موارد الدولة وإمكانياتها من أجل هذه الغاية. فالرئيس التونسي جاء إلى الحكم عبر انقلاب أبيض قاده ضد الزعيم السابق لتونس الحبيب بورقيبة، وورث عن نظام بورقيبة العقلية الأمنية.

      ومنذ ذلك التاريخ حكم البلاد بعصا الأمن الثقيلة. لقد حظيت وزارة الداخلية بنصيب الأسد من موازنة الحكومة، وأغدق عليها بن علي الأموال وأولاها اهتماما خاصا، وبلغ عدد قوات الأمن في تونس أكثر من ضعف عدد قوات الجيش، وهناك تقريبا رجل أمن لكل 100 مواطن وهو يعد بحسب "راشد الغنوشي" رئيس حركة النهضة التونسية من أعلى النسب في العالم[41].

      فالعقلية الأمنية سيطرت على مجمل جوانب الحياة في تونس، وكما يقول منصف بن جعفر، رئيس التكتل من أجل العمل والديمقراطية، كان الأمن يتدخل في أدق تفاصيل الحياة. لقد هيمنت أجواء الخوف والرعب وإرهاب الدولة المنظم على أغلب مجريات الحياة العامة للتونسيين، وأصبح هاجس الخوف من عصا النظام يسيطر على كل تونسي[42]. وخلقت هذه الأجواء حالة من الجمود السياسي، والإحباط الاجتماعي، وضعف مستوى إنتاجية الفرد مما انعكس سلبا على مجريات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد، وولد أزمات متلاحقة على رأسها البطالة والبؤس الاجتماعي، وعزوف عن المشاركة السياسية الفاعلة في الحياة العامة[43].

      لقد "مارس العديد من رموز النظام الحاكم وحاشية الرئيس ما يطلق عليه إرهاب دولة منظم، حيثُ أرهب الناس بعصا الأمن، فانتشر الفساد السياسي والاقتصادي والمالي والأخلاقي، و"سيطرت على تونس طبقة إقطاعية تتحكم في مقدرات البلاد وخيراتها، متكئة في ذلك على عصا الأمن الغليظة؛ وهذا ما تكشفت عنه بصورة واضحة لا لبس فيها، قضايا فساد الرئيس المخلوع بن علي وحاشيته من أسرته وأسرة زوجته ليلى الطرابلسي، وبعض الرموز المحسوبة على النظام"[44].

      6- كسر حاجز الخوف

      شهدت تونس العديد من الانتفاضات ضد استبداد السلطة التنفيذية سواء في عهد بورقيبة او عهد بن علي . فقد شهدت مناطق الجنوب انتفاضة الخبز في العام 1987، وانتفاضة الحوض المنجمي، وانتفاضة بن قردان، وغيرها من الأحداث التي عبرت في مجملها عن رفض سياسيات نظام الحكم في تونس. إلا أن أغلب هذه الانتفاضات لم تبلغ أهدافها، وأجهضت بفعل حاجز الخوف الذي سيطر على غالبية التونسيين بفعل عصا الأمن الغليظة. لكن حاجز الخوف هذا ما لبث أن كسر[45]. ومثلت قضية الشاب محمد البوعزيزي الشرخ الأول في حاجز الخوف، وأكمل- ذلك- شباب سيدي بوزيد الذين كانوا يبحثون عن كرامتهم وخروجهم من أسر شمولية نظام بن علي. فمنذ الشرارة الأولي التي أشعل فتيلها محمد البوعزيزي، اندفع الشعب التونسي بقوة في المواجهة وإسقاط الطاغية بن علي.

      وتمثل الطريقة التي تصدى بها المتظاهرون في شوارع سيدي بوزيد خير دليل على كسر حاجز الخوف. فقد استطاع المحتجون أن يرهقوا قوات البوليس من كثرة الكمائن التي تعرضوا لها، كما أن القتل والقنص في بو زيد والقصرين لم يثن المحتجين عن الخروج إلى الشوارع ومواصلة التظاهر ضد النظام، على الرغم من أن الشرطة " حاولت إرهاب المتظاهرين عبر تعمد القتل المباشر برصاص القناصة وباستخدام رصاص ذي رأس منفجر"[46]. والعديد من شهداء أحداث القصرين قضوا بطلقات نارية في الرأس، إما من الأمام أو الخلف، أطلقت بواسطة قناصة من مناطق ذات ارتفاع عال في القصرين[47].

      7- الشعر وخيال الحرية

      استلهم الثوار كلمات النشيد الوطني التونسي، التي جمعت بين شعر أبي القاسم الشابي والشاعر المصري محمد صادق الرفاعي، وبهذه الأبيات الشعرية كان ثوار تونس يرفعون مطالباتهم بالتغيير والحرية في وجه بن علي :

      نموت ونحيا على عهدها ** حياة الكِرام وموت العِظام

      إذا الشعب يوما أراد الحياة **فلا بدّ أن يستجيب القدر
      ويرى الشاعر والروائي محمد علي اليوسفي[48]، أن مطلع قصيدة الشابي استخدم بوصفه شعاراً سياسيا، لأنه دخل في التركيبة الثقافية والخطاب الجمعي، وكان إنشاد النشيد الوطني أشبه بإعلان موقف.

      8- الأغاني الشعبية وموسيقى الراب

      "ريس البلاد" و" تونس يا بلادنا" كلمات عامية بسيطة غناها مغني الراب حمادة بن عمر أو "الجنرال"، لكنها تعبر في مضمونها عن استبداد السلطة السياسية وعدم اكتراثها بمعاناة الشعب. فهذه الأغاني الشعبية وموسيقى الراب وجدت طريقها بين جموع الشباب المحتجين وانتشرت على نطاق واسع في أوساط الشعب التونسي، ومثلت للعديد من الشباب الصغار مصدر إلهام ثوري ومؤجج للشعور الوطني.


      ثالثا: "ثورة بلا رأس" الشرارة الأولى والعفوية

      إن السؤال الذي يفرض نفسه هنا، هو كيف استطاعت الثورة أن تسير بلا رأس إلى اللحظة الفاصلة بتاريخ تونس وهروب بن علي؟

      لا تعبر مقولة "الثورة التونسية جاءت بالصدفة"، عن فهم وإدراك علمي لطبيعة الحراك داخل المجتمعات. فهذه الثورة توفر لها العديد من المقومات التي أسهمت بشكل رئيس في انطلاق شرارتها. إن تغير واقع الشعوب ليس ممكنا إلا بتوفر مقومات هذا التغيير. فنهضة تونس التي مثلت هذه الثورة الشعبية بدايتها، أسهمت عدة مقومات في إحداثها وإحداث التغيير الذي امتد إلى أغلب أقطار الوطن العربي. وسيتطرق البحث، في هذا الجانب، إلى إبراز دور هذه المقومات في جعل بدايات الثورة التونسية تبدو-إلى حد ما- ثورة بلا رأس، وعفوية:

      1- الشباب وفتوة المجتمع

      يتميز المجتمع التونسي بأنه مجتمع فتيّ حيث تبلغ نسبة الشباب في الفئة العمرية 15- 39 سنة ما يقارب 43.7%. وهذا العنفوان والقوة الفتية كان المحرك الرئيس للتغيير. فالثورة التونسية عبرت عن مرحلة تغيير جديدة في حياة الشعب التونسي، وهذا التغيير لا يمكن ان يتحقق بدون وجود هذه العناصر الفتية المحركة لطاقات المجتمع. وكانت النسبة الأكبر من شهداء الثورة من هذه الفئة، كما شكلت هذه العناصر غالبية الفئة التي خرجت إلى الشوارع للتظاهر، والغالبية التي تصدت لقوات البوليس، والتي زحفت إلى العاصمة، وحاصرت قصر قرطاج يوم الجمعة 14/01/2011، واستمرت بالتظاهر وأسقطت محاولات الالتفاف وسرقة الثورة.

      مثلت هذه الخاصية في المجتمع التونسي دينامو التغير في المجتمع ككل، وجعلت من هذه الثورة ثورة الشباب بلا منازع. وما يميز هذه الفئة هو وعيها السياسي وإن كانت غير مؤطرة سياسيا. إن البيئة السياسية لحكم بن علي أوجدت تصحرا سياسيا، ولذلك يمكن القول إن الفئة الشبابية كانت متعطشة للمشاركة السياسية التي حرمت منها أجيال سبقتهم. إن قضية الشباب محمد بوعزيزي، تعبر في جوهرها عن الحرمان السياسي من حق التعبير والمشاركة السياسية؛ وعبر هذه الثورة صنع الشباب مناخا سياسيا جديدا يوفر فضاء واسعا من المشاركة السياسية الفاعلة.

      ولعل هذه الرغبة الجامحة، تفسر انخراط الشباب في هذه الثورة بصورة عفوية. وفي هذا السياق، تبرز فجوة كبيرة بين جيلين: الأول احتكر العمل السياسي لسنوات وأصبح في منزلة الوصي على كل شيء، والذي يمتلك الحقيقة والحق في الحكم، وشباب ينظر إلى حالة ما يعتريه من علل اقتصادية واجتماعية، وفي نفس الوقت يمتلك كثيرا من الطاقات الكامنة، التي تحتاج إلى الحكمة في توظيفها في عملية تنمية سياسية واقتصادية حقيقية.

      ومن الجدير بالذكر أن الشباب التونسي امتلك الإرادة أكثر من احتكامه إلى القيادة، فالقيادات السياسية عجزت عن أن ترقى إلى التعبير عن أماله وطموحاته. لقد دفع الشباب القيادات السياسية إلى اللحاق بهم إلى ميدان الثورة، وأخذ الشباب زمام المبادرة وصنعوا بإرادتهم فضاء التغيير. وهنا يمكن الحديث أيضا عن قانون للطبيعة : فإرادة الإنسان هي معيار التقدم والتطور والحضارة، وبالعودة إلى تاريخ الأمم السابقة والحالية، نجد أن أحد أبرز معايير التقدم في كافة المجالات هو الإرادة. وما كان مستحيلا في عهد بن علي نظرا لطبيعة النظام البوليسي الذي يتحكم في كافة مجالات الحياة، أصبح ممكنا ب"إرادة" هؤلاء الشباب.

      "
      لقد دفع الشباب القيادات السياسية إلى اللحاق بهم إلى ميدان الثورة، وأخذ الشباب زمام المبادرة وصنعوا بإرادتهم فضاء التغيير.
      "
      وإرادة التغيير هذه، أوجدت حالة من التحدي والصمود أمام آلة القمع الرهيبة التي مارسها نظام بن علي. حاول النظام خلال الأيام الأولى من الثورة، اللجوء إلى استراتيجية "كي الوعي"، من أجل تفتيت عضد هذا الشباب الثائر وإجباره على الاستسلام ورفع الراية البيضاء. لكن جبروت هذا النظام قوبل بتحدٍ وإصرار، وكلما زاد النظام من بطشه وجبروته وقمعه الوحشي للمتظاهرين في الشوارع، ازداد إصرار هذا الشباب الثائر على مواجهة الإرهاب الذي يمارسه بن علي ونظامه، وهو ما قاد شيئا فشئيا إلى رفع سقف مطالب الثورة.

      لقد تشكلت حالة من التحدي المعلن بين شباب الثورة والنظام، وعبر عنه النظام بتنازلات متتالية، لم تلب مطالب المتظاهرين التي ارتفع سقفها شيئا فشيئا إلى أن رحل رأس النظام[49]. وينبغي هنا عدم التقليل من فكرة أن الثورة لديها اندفاع عاطفي وتتملكها شحنة الغضب، وأن الحصول على سيادة الشعب هو وليد لحظة الصمود والتحدي التي عبرت عن نفسها بصور عاطفية. فالعاطفة أيضا كانت من بواعث انطلاقة الثورة، التي بدأت بدون رأس وبدون برنامج أيديولوجي محدد، ولكنها عبرت عن إرادة شاملة لإصلاح جوانب الحياة كافة عبر استعادة سيادة الشعب.

      2- تأطير الثورة وتوجيهها

      بدت الثورة في مرحلتها الثانية أكثر تأطيرا وتوجيها من مرحلتها السابقة، وهذا ما اضطلعت به القيادات الوسطى والدنيا الناشطة في المؤسسات المدنية، من حقوقيين ونقابيين ومعلمين وسياسيين وغيرهم. فقد التحقت هذه الفئات بالثورة واستطاعت تنظيم مجريات الأحداث ضمن إطار سياسي واجتماعي موجهه إلى رأس النظام، وبرز ذلك من خلال:

      أ) التضامن الشعبي الواسع

      إن تسلط النظام واستشراء الفساد في كافة مفاصل الدولة وإهدار الكرامة وانتهاك الحقوق، قد شكلت في مجملها حالة عامة من عدم الرضا الشعبي والسخط والحنق على النظام الحاكم، وأوجدت حالة من التضامن واسع النطاق في مناطق تونس كافة من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها. ومثلت حالة التضامن بيئة حاضنة وحامية للثورة، عززت من التأييد الشعبي، وضمنت انخراط كافة فئات المجتمع على مختلف شرائحهم الاجتماعية وطبقاتهم الاقتصادية وتشكيلاتهم السياسية في أحداث الثورة بقوة. والملاحظة التي يمكن أن تستوقف الباحث هنا هي ما شكلته الروابط العشائرية، ومثلت عنصرا مهما في الامتداد والتضامن الجماهيري مع الثورة.

      لقد كان الحس العشائري والقبلي لأهالي سيدي بوزيد من "الهمامة"، أقوى بكثير من انتماءهم المدني، وكانت غرائزهم وعواطفهم مع ابنهم الشاب الذي حرق نفسه أمام الرأي العام البوزيدي عند باب الولاية. لقد حاول النظام التخفيف من هذا الترابط العشائري والتضامن الشعبي عبر وسطاء ونقابيين وتقديم وعود للتنمية بملايين الدنانير، إلا أن ذلك لم يحد من حجم اتساع التضامن الشعبي مع الثورة. لم يأل النظام جهدا في التعتيم إعلاميا على هذه الثورة، من خلال منع وسائل الإعلام من تناول أي حديث وطني أو قومي أو إنساني يجلب تعاطف الجمهور التونسي. وكان آخر من تناول أخبار سيدي بوزيد قناة 7 الفضائية التونسية، ولم تتطرق الصحافة التونسية إلى الأمر، نتيجة التعتيم والقمع.

      يقول المحامي محمد عبو: "لقد ذهلت من حجم التضامن الشعبي مع مطالب الثورة، فقد خرج عشرات الآلاف إلى الشوارع من كلا الجنسين ومن مختلف الأعمار، تهتف ضد النظام وتنادي بالإصلاح والعدالة الاجتماعية وتنشد النشيد الوطني التونسي، وكأن المشهد هو هبة جماهيرية كبيرة لحدث تاريخي مفصلي. ا وأكاد أجزم أنه لم يتبق احد في البيوت الا من كان غير قادر على النزول إلى الشارع؛ فقد كانت مشاهد المظاهرات والاحتجاجات تبعث في النفس مشاعر العزة وكانت الأحداث تسير بلا شك في اتجاه حسم المعركة لصالح الشعب ضد هذا النظام الفاسد"[50].

      ب) شعارات الثورة

      حافظت الثورة على حيويتها وديمومتها من خلال شعارات بسيطة ومعبرة تنبض بهموم الناس وقضايا المجتمع، فكانت أول مطالب هذه الثورة اجتماعية وسرعان ما تحولت إلى سياسية[51]، وعبرت في مجملها عن تطلعات وآمال شعب تونس في غد أفضل. ففي بدايتها أخذت هذه الشعارات تعبر عن مطالب اجتماعية من قبيل "التشغيل استحقاق، يا عصابة السراق" و "خبز وماء، طرابلسية لا ". ولأول مرة جرى رفع شعارات ضد فساد أصهار بن علي، مثل: "لا لا للطرابلسية إللي سرقوا الميزانية". وسرعان ما اتخذت هذه الشعارات منحى سياسيا وأصبحت تعبر عن مطالب سياسية، مثل: " تونس حرة حرة، بن علي على برَّ" و"تونس حرة حرة، والتجمع على برَّ".

      ويفسر حسين الدماسي أستاذ الاقتصاد بكلية الحقوق بجامعة سوسة[52] هذا التطور في الشعارات بقوله: "تصلب النظام في عدم الاستجابة لمطالب الثورة، رفع من سقف المطالب السياسية إلى أن رفعت الثورة الشعار التاريخي الشهير، والذي أصبح عنوان المرحلة التاريخية الراهنة: "الشعب يريد إسقاط النظام". وحافظ الثوار على حالتهم الثورية، وصاغوا عددا من الشعارات من أجل الحفاظ على عنفوان الثورة واتساعها وحصولها على التأييد الشعبي المتواصل، فكانت شعارات تعبر عن ذلك: "يا نظام يا جبان، شعب تونس لا يهان"، أوفياء أوفياء، لدماء الشهداء"، "شد شد، الزين هرب"، "الشهيد الشهيد، على المبادئ لا نحيد"، "لا إله إلا الله، والشهيد حبيب الله". وهذه الشعارات- في مجملها- تخاطب العاطفة الشعبية وتعمل على استنهاض العقل الجمعي التونسي من سبات القبول بالواقع المهين.

      وفي السياق الثوري، تعبر هذه الشعارات عن نضج سياسي واضح على الرغم من ربع قرن من القهر والاستبداد السياسي. ومن خلال تطور هذه الشعارات نجد أن شباب الثورة لم يقبل بـــ "أنصاف الحلول". فعندما أعلن الوزير الأول، محمد الغنوشي، تولي الرئاسة بعد هروب بن علي لم تقبل الثورة بذلك بل استمرت في الضغط الشعبي من اجل إسقاط النظام، فكانت شعارات "اعتصام اعتصام، حتى يسقط النظام"، و "شهر شهرين، مناش مروحين"؛ في رفض شعبي لمحاولات الالتفاف على الثورة، خاصة عندما شكلت حكومة مؤقتة بأغلبية من أركان النظام السابق ونفس الوجوه القديمة التي يمقتها الشعب. فرفعت شعارات جديدة : " الشعب يريد، إسقاط الحكومة"؛ "مسرحية مسرحية، والحكومة هي هي"، "بن علي في السعودية والحكومة هي هي"؛ كدليل على استمرار وجود نظام بن علي في الحكم. واستمر الضغط الشعبي إلى أن تبدلت الحكومة وأدخلت فيها عناصر جديدة تعبر جزئيا عن مطالب الثورة خلال المرحلة الانتقالية لحين إجراء انتخابات جديدة.

      ج) التحاق قوى المجتمع المدني والأحزاب بالثورة

      يعد الاتحاد التونسي للشغل من أقدم واعرق مؤسسات المجتمع في تونس. وقد مثل الاتحاد- على مدار تاريخه- الحاضنة الشعبية للعمل الوطني، وقاد أغلب قادة هذا الاتحاد من أمثال فرحات حشاد، والحبيب عاشور، حركة التحرر ضد الاستعمار. فالحركة النقابية التونسية ذات تاريخ عريق ومؤثر في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في تونس، لكن الحركة النقابية التحقت بالثورة وتفاعلت معها بقوة خلال مراحلها الأخيرة. بدأت أحداث الثورة يوم 17 كانون الأول/ديسمبر 2010 من سيدي بوزيد، ومن ثم انتقلت إلى بلدات ومدن مجاورة كمكناسي، والرقاب، وسيدي علي، وبن عون، ومدينة منزل بوزيان.

      كان أول تحرك نقابي للتفاعل مع الثورة يوم 25 كانون الأول/ ديسمبر2010، أي بعد 8 ايام على بداية الأحداث[53]، وقام المئات من النقابيين والحقوقيين بالتجمع في ساحة محمد علي في تونس العاصمة، للتعبير عن تضامنهم مع أهالي سيدي بوزيد، واحتجاجا على قمع المسيرات الشعبية والاعتقالات واستعمال الرصاص الحي ضد المحتجين العزل. أما الاتحاد التونسي العام للشغل فكان أول تفاعل له مع الأحداث يوم 27 كانون الأول/ ديسمبر 2010، حيث أرسل عضوين من المكتب التنفيذي إلى ولاية سيدي بوزيد. وقد التقيا بوالي الولاية في محاولة لتجنب الحل الأمني في التعامل مع الأحداث وإطلاق سراح الموقوفين[54].

      ودخلت النقابات بقوة على خط الأحداث، عندما أعلنت نقابة المحامين عن إضراب يوم الخميس 9 كانون الثاني/ يناير 2011 ليوم واحد. ونجح هذا الإضراب في إقحام الحركة النقابية في أحداث الثورة، وصدر البيان الأول للاتحاد العام التونسي للشغل يوم 11/01/2011، والذي يقر فيه بمشروعية المطالب المرفوعة، ويطالب السلطات الرسمية بالاستجابة لهذه المطالب.

      خاتمة

      إن الثورة التونسية تؤكد حقيقة أن الشعب لا يمكن تدجينه وقمعه مدى الحياة، ولابد من حدوث لحظة "الإرادة". لقد عاشت الشعوب العربية العديد من الاحتجاجات أو الإضرابات السياسية، التي يطلق البعض عليها انتفاضة. وعلى مدار سنوات خلت، مثلت الإضرابات الناجمة عن العلل الاجتماعية أحداثاً متلاحقة في الوطن العربي؛ فانتقلت هذه الأحداث على فترات زمنية متفاوتة، من شرق العالم العربي إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه.

      ويعد الخبز والبطالة أبرز القواسم المشتركة لهذه الانتفاضات. لقد أصبح مصطلح "انتفاضة الخبز" شائع الاستخدام من قبل الكتاب والمفكرين السياسيين والإعلاميين. فعلى صعيد بلاد المغرب العربي، أعيد إنتاج هذا المصطلح لينحت من البيئة المغاربية ويشيع استخدام مصطلحين متشعبين هما: الـ"خبزيست"، والـ"حيطيست". إن إمكانيات الديمقراطية في "انتفاضات الخبز" أو الاحتجاجات الاقتصادية، على انتهاك العقد الاقتصادي بين الحكام والمحكومين من قبل السلطة، تدحض الزعم بأن هذه الاحتجاجات هي مجرد "تمرد لبطون جائعة"، أو نوبات غضب عفوية وغير سياسية. إنها تعيد صوغ الوعي السياسي للمحتجين، وتمثل نضالهم من أجل العدالة الاجتماعية والحقوق المدنية.

      وفي الإشارة إلى الانتفاضات من أسفل إلى أعلى -التي تأتي بدافع عدم الرضى والغضب من الناحية الاقتصادية والاجتماعية- يجري التركيز على جماعات المصالح، ومنها ما سبقت الإشارة اليه. فـ"الخبزيست"، من الكلمة العربية الخبز، والخبزيست هو الذي يخرج عن حالة اللامبالاة ويثور عندما تتعرض معيشته اليومية للتهديد. و"الحيطيست"، هو حرفيا الذي يتكئ إلى الجدار، وبعبارة أخرى، هو الشاب القانط والعاطل عن العمل.

      وإذا كانت المجموعة الأولى قد جرى تحييدها مرارا من قبل الأنظمة الاستبدادية، من خلال الحفاظ على مكانها داخل النظام الاجتماعي والاقتصادي لأمد قصير الأجل؛ فإن الـ"حيطيست" يمثل الفئات والطبقات الاجتماعية الفقيرة والأكثر تقلبا، وهي في النتيجة ترجح الثورة الاجتماعية بسبب الكبت والإحباط، وعدم القدرة على تحقيق أي نوع من الكرامة والمستقبل الهادف. وهذه الفئات الاجتماعية تدخل في صراعها مع قوى السلطة، في منعطف حاسم عندما تنهار المفاوضات لإبقائها في حالة من التبعية ؛ وهو ما يمكن أن أطلق عليه مصطلح (ديمقراطية الخبز).

      وبالتالي، لا ينبغي النظر إليها على المدى القصير، والقول بأن هذه الانتفاضات تندلع بدافع اقتصادي فقط، بل هي صرخات ضد الإحباط، وتعبيرات سياسية واعية من الغضب والاحتجاج ضد "الفروق الاجتماعية، والفساد والمحسوبية والتسلط، وعدم كفاءة النظام". ومع تزايد تكلفة المعيشة بالنسبة لغالبية السكان، على خلفية الركود الاقتصادي والإلغاء المطرد والتدريجي للدعم الحكومي للسلع الضرورية، تعجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها ويصبح العقد بينها وبين هذه الجماعات هشا، وتفقد السلطة القمعية شرعيتها الوظيفية.

      وتدفع الضائقة الاقتصادية "الخبزيست" وغيرهم من قوى الرفض إلى النزول إلى الشوارع بكثافة. في هذه الاحتجاجات الشعبية يتذوق الناس طعم المشاركة السياسية ويقومون على رعايتها، ويطلقون العنان للانشقاق؛ عن طريق تحدي السلطة السياسية مباشرة. ويصبح الشارع الثائر رابطا يجمع المعارضين السياسيين، والمهمشين، والعاطلين عن العمل، والشباب المحبطين، وهم جميعا يتمكنون من الحصول على التضامن العفوي. وفي وعيهم المشترك، هم ضحايا فعليون أو محتملون للنظام، ويوجهون غضبهم إلى مستويات عليا هي رموز النظام.

      إن ثورة تونس، ثم ثورة 25 شباط/ فبراير العظيمة في مصر، وقريبا الثورة الليبية، تجدد الامل في ديمقراطية عربية تأتي من داخل الوطن العربي، وتثبت بما لا يدع مجالا للشك، أن العرب قادرين على التغيير وحدهم لا عبر الغرب، فالتجربة الدموية التي قادتها الولايات المتحدة للدمقرطة في العراق لم تأت بالديمقراطية بقدر ما جاءت بالخراب والدمار[62].

      خلال الربع الأخير من القرن العشرين، عاشت الشعوب العربية حالة من الغليان الشعبي ساهم فيه عدد من العوامل أبرزها ارتفاع أسعار الخبز وسلع تموينية أخرى رئيسية. فشهدت مصر في18و19 كانون الثاني/ يناير في العام 1977 انتفاضة أطلق عليها " انتفاضة الخبز"، كذلك شهدت كل من تونس(1984) والسودان (1985) أحداث انتفاضة مماثلة. أما في فلسطين فكانت انتفاضة الحجارة ضد المحتل الصهيوني كعلامة بارزة في التاريخ المعاصر، وشهدت الجزائر (1988) والأردن (1989) إضرابات سياسية بسبب ارتفاع أسعار الخبز والسلع التموينية، وعادت هذه الاضطرابات إلى الأردن في العام 1996، وإلى تونس في العام 2008 فيما عرف بأحداث الحوض المنجمي.

      تعاملت الأنظمة العربية مع هذه الأحداث من الزاوية الأمنية، ورأت أن انتشار هذه الإضرابات يؤدي إلى انزلاق البلاد إلى الفوضى السياسية العارمة، ولا بد من الاستبداد والقمع، لمنع الإسلاميين والأصوليين والمتشددين من استغلال مثل هذه الفوضى، للوصول إلى الحكم. ووجدت الأنظمة العربية في هذه "الفزاعة" إذعانا داخليا ودعما وتأييدا خارجيا، وتتإلى قمع الأنظمة العربية لهذه الانتفاضات.

      لقد كان واضحا من البداية أن هذه الاحتجاجات لم تكن "ثورة البطون الخاوية"، بل تعبر- في حقيقتها- عن وعي سياسي بضرورة النضال من أجل العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة[63]. فهذه الأحداث تراكمت عبر فترات من الزمن لكي تعيد إنتاج نفسها في حدث أكبر وأعظم وهو " الثورة العربية الكبرى" من أجل إعادة صوغ عقد اجتماعي جديد يقوم على أساس العدالة الاجتماعية وحق المواطنة، وهذا ما يشهده العالم العربي اليوم.


            




      Last edited by محسن بوزيد; 02-08-2011 at 07:15.

    2. Senior Member
      Join Date
      Jul 2011
      Location
      قرطاج
      Posts
      342

      قائمة المراجع


      قائمة المراجع

      - بشارة. عزمي، في المسألة العربية مقدمة لبيان ديمقراطي عربي، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية الطبعة لأولى، 2007).

      - بشارة. عزمي ، أن تكون عربيا في أيامنا، الطبعة الأولى، (بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية 2009).

      - صديقي. العربي، إعادة التفكير في الدمقرطة العربية، الطبعة الأولى، (بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية، 2010).

      - المعهد الوطني للإحصاء التونسي، المسح الوطني حول التشغيل لسنة 2010، (كانون الأول/ديسمبر 2010).

      - المعهد الوطني للإحصاء، النشرية الإحصائية السنوية لتونس، عدد 51، لسنة 2008، ر. د. م. د. 0066-3689.

      - Beau. N, et Graciet. C. , La régente de Carthage, (Paris: éditions la Découverte, 2009).

      - Brieg Powel, Larbi Sadiki, Europe and Tunisia: Democratization via Association, (Routledge: Studies in Middle Eastern Politics, 2010).

      - Hobsbawm Eric, The Age of Revolution: 1789-1848, (London: Vintage Books, 1996), pp. 2-17.

      - Peterse. Roger, Resistance and Rebellion: Lessons from Eastern Europe, (Cambridge: Cambridge University Press, 2001).

      - Sadiki. Larbi, "Popular Uprisings and Arab democratization", International Journal of Middle East Studies, 32, 1, 2000, pp. 71-95.

      - Sadiki. Larbi, "Toward Arab Liberal Governance: From the Democracy of Bread to the Democracy of the Vote", Third World Quartetly, 1997, Vol. 18, N. 1, pp.127-148.

      قائمة المقابلات:

      - أحمد بن صالح، الوزير الأسبق في حكومة الحبيب بورقيبة في حقبة الستينيات12/02/2011 بمدينة تونس العاصمة.

      - الحنيفي الفريضي، محام، وأحد اعضاء لجنة حماية الثورة بالقصرين، 11/02/2011 بمدينة القصرين، تونس.

      - الزين بن عبدالله، رئس قسم الطب الشرعي بالمستشفى الجهوي بالقصرين، 9/02/ 2011 مدينة القصرين، تونس.

      - أيمن الفخراوي، أحد القادة الميدانيين خلال الثورة، 10/02/ مدينة سوسة، تونس 2011.

      - حسين الديماسي، أستاذ الاقتصاد بكلية الحقوق بجامعة سوسة، 14/02/2011 بمدينة سوسة، تونس.

      - حمة الهمامي، رئيس الحزب الشيوعي للعمال التونسيين، مقابلة بالهاتف يوم 09/02/2011 بمدينة تونس.

      - خالد العوينية، محام، وأحد القيادات الميدانية خلال الثورة، 04/02/2011 بمدينة سيدي بوزيد، تونس

      - راشد الغنوشي، رئيس حزب النهضة الإسلامي، مقابلة في الطائرة خلال رحلة العودة إلى تونس30/01/ 2011.

      - زكية ضيفاوي، الناشطة السياسية، 12/02/2011تونس العاصمة، تونس.

      - سالم البوعزيزي، ابن عم الشاب محمد البوعزيزي، 5/02/2011مدينة سيدي بوزيد، تونس.

      - عبيد البريكي، النائب المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل 31/01/2011، مقر الاتحاد العام التونسي للشغل، مدينة تونس العاصمة، تونس.

      - على الظاهري، مسئول امن في مركز شرطة فريانة، 9/02/2011 مدينة القصرين، تونس.

      - على والأسعد البوعزيزي، من أقارب الشاب محمد بوعزيزي، 5/02/2011، مدينة سيدي بوزيد، تونس.

      - فاضل السائحي، النشاط النقابي للدفاع عن المهمشين بمدينه تاله، 12/02/ 2011تونس العاصمة، تونس.

      - فيصل المنصر، عضو جمعية القضاة التونسيين، 04/02/2011م مدينة سوسة، تونس.

      - محمد عبو، محام، هيئة المحامين 12/02/2011 بمدينة تونس العاصمة، تونس.

      - منصف بن جعفر، رئيس التجمع من أجل العمل والحريات 10/02/2011 بمدينة تونس العاصمة، تونس.

      - مولدي الرياحي، عضو المكتب السياسي بالتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، 09/02/2011 بمدينة تونس العاصمة، تونس.

      - ميه الجريبي، رئيسة الحزب التقدمي الاشتراكي 2/2/2011، تونس العاصمة، تونس.

      - وائل لايفي، مدون من مدينة سيدي بوزيد5/02/2011، سيدي بوزيد تونس.


            






     

    Similar Threads

    1. "قرطاج" الدولي.. فعاليّات بطعم ثورة الياسمين
      By zeina in forum Cultural affairs / الثقافة العربية
      Replies: 0
      Last Post: 11-08-2011, 09:48
    2. Replies: 0
      Last Post: 29-06-2011, 12:58
    3. مارسيل خليفة ونجلاه يكرسون "ثورة الموسيقى" في بيروت
      By LiLy in forum Cultural affairs / الثقافة العربية
      Replies: 0
      Last Post: 12-06-2011, 09:05
    4. Replies: 0
      Last Post: 05-05-2011, 05:17
    5. Replies: 0
      Last Post: 26-04-2011, 07:15

    Posting Permissions

    • You may not post new threads
    • You may not post replies
    • You may not post attachments
    • You may not edit your posts
    •  
     English   عربي All times are GMT. The time now is 13:53 
      Top
      Archive
      Contact Us
    ©  arabs.com | Brought to you by fma |
    FMA Invites you to send your support: Red Crecent UNICEF Red Cross