القاهرة- فتحي خطاب
تساؤل كان غائبا عن الأذهان, طرحه الصحافي الألماني المتخصص في تاريخ الحضارة الإسلامية فولفجانج جونتر ليرش : هل كنا نعرف الإنترنت أو الحاسب الآلي, إذا لم يؤسس الفلكي والرياضي المسلم الكبير الخوارزمي علم الأرقام والحساب والرياضيات, والرقم صفر ?! ويقول ليرش لا تجري الآن أي مناقشة علمية حول أهمية الإنترنت من دون أن يستدل فيها بما تم التوصل إليه الخوارزمي, الأب الروحي لعلم الحاسوب, وأن ترجمة أعماله إلى اللاتينية في العصور الوسطى ساعدت أوروبا في الوصول إلى ما تستخدمه الآن من نظريات حديثة في علوم الرياضيات والحساب, وأن صاحب كتاب حساب الجبر والمقابلة هو واضع أسس علمي الجبر وحساب اللوغاريتمات, وأول من أدخل الصفر في العمليات الحسابية, ومبتكر علامة التساوي, وحاصل الضرب,وعلامات الجمع والطرح, وقد اعتمد في معادلاته الرياضية على الأرقام والعلامات الرياضية, واختلف بذلك عن اليونانيين الذين ركزوا في معادلاتهم على استخدام الحروف والرسوم..
وتساؤل الصحافي الألماني, قد يلفت الإنتباه إلى أسرار لغة الأرقام عند العرب والمسلمين, ويعيد فتح صفحات من التاريخ, حين كانت شعوب العالم تتعامل مع الأعداد الحسابية بصورة بدائية ومحدودة, وإنحصرت معلوماتها الرقمية عند الأرقام
(,2.1 كثير) وبمعنى أن أي عدد بعد (اثنين) فهو كثير, وبالتالي لا فرق بين الخمسة والمئة !! وإذا كانت الحضارات القديمة (الفرعونية, والبابلية, والإغريقية, والصينية) قد عرفت الأرقام واستعملتها, إلا أن تعاملها مع الأرقام كان معقدا للغاية, ومحدد الاستخدام, حتى كان الدور القيادي للعرب والمسلمين في علوم الرياضيات, وأخرجوا العدد من نطاقه الهندسي إلى المفهوم الحسابي والجبري الواسع, بعد أن كان الحساب والعدد والأرقام بالنسبة لأوروبا سرا معقدا لا يفهمه إلا النوابغ والعلماء منهم, أما عامة الناس لا يعرفون العدّ إلا عن طريق أصابع اليدين أو بالأساليب البدائية,وفي ذلك الوقت من القرنين التاسع والعاشر الميلادي كانت كتابة الرقم العددي تحتاج إلى خانات عديدة, حتى انتقلت الأرقام العربية إلى الغرب عن طريق الكرسي البابوي,حين تعلم البابا جربرت الملقب ب¯سلفسترو الثاني الأرقام العربية التسعة من العرب على الحدود الأسبانية, وتعلم استعمالها, ونقلها بالتالي إلى الغرب, فقد انتشرت الأرقام العربية في إيطاليا, ثم انتقلت بعد فترة عبر جبال الألب إلى بقية الدول الأوروبية التي كانت تعيش في ظلام دامس..
ولم تقف الأرقام أمام علماء العرب والمسلمين مجرد أعداد صماء, لكنهم تعاملوا مع كل رقم من الناحية التراثية والعلمية والكشف عن أسرارها.. لذلك أطلق العرب الأقدمون على الرقم (7) نهاية العدد, أو الرقم ذا الأسرار الكثيرة.. فإذا تأملنا الأرقام من (1) إلى (10) لوجدنا أن كل منها يقبل القسمة على عدد منها, أو نجد رقما مضاعفا له, ماعدا الرقم (7).. فالرقم (1) نصف الرقم (2) والرقم (2) ضعف العدد (1) والرقم (3) نصف الرقم (6) و(6) ضعف (3) والرقم (4) نصف الرقم (8) و(8) ضعف (4) والرقم (9) ثلاث أضعاف الرقم (3).. أما الرقم (7) فهو الوحيد الذي لا يقبل القسمة, ومن هنا قال عنه العرب انه نهاية العدد, لأن أي عدد بعده مجرد تفريغ لمستوى آخر من الأرقام التي تسبقه.. ولقد أثبت القرآن الكريم هذه الحقيقة عندما حدد عدد أهل الكهف : يقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم والرقم (7) جاء بعد حرف الواو لأنه يعتبر نهاية العدد, ويأتي بعده الترقيم للمستوى التالي للأرقام, لذلك يطلق العرب على تلك الواو واو الثمانية..
والرقم ذو الأسرار الكثيرة (7) نجده متصلا بكثير من الأمور في ديننا الحنيف ومناسكه.. فالسموات سبع.. وأبواب الجنة سبعة.. والطواف حول الكعبة المشرفة 7 مرات.. والسعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط.. وفي قصة سيدنا يوسف علية السلام سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وآخر يابسات, ومن تفسير الرؤيا عرفت البشرية لأول مرة في التاريخ إستخدام صوامع الغلال للتخزين.. وقد تم تخزين الحبوب في مصر 7 سنوات لتجنب آثار 7 سنوات من الجفاف, وبالتالي تم إنقاذ شعب مصر من المجاعة والموت..
وقد أدرك العرب والمسلمون مبكرا الإعجاز العددي في القرآن الكريم, وبحثوا فيما جاء به.. وأن كلمة الدين مثلا تكررت في القرآن 115 مرة, وأن كلمة الدنيا تكررت بنفس العدد.. وأن كلمة الملائكة تكررت 68 مرة,كما تكررت كلمة الشيطان بنفس العدد.. وقد بلغ عدد الآيات التي تتحدث عن الملائكة (ملك, ملكا, ملكين, ملائكة) 68 آية, وهو نفس العدد مع الآيات التي تتحدث عن الشيطان (الشياطين, شيطانا, شياطينهم).. وتكرر لفظ الحياة ومشتقاتها 167 مرة, والموت ومشتقاته نفس العدد.. والصالحات ومشتقاتها 167 مرة, وكذلك السيئات ومشتقاتها.. وتكرر لفظ الشهر 12 مرة وهي عدد شهور السنة, كما تكرر لفظ اليوم 365 مرة وهي عدد أيام السنة.. وتكررت كلمة البصر (الرؤية الخارجية) 148 مرة وكلمة البصيرة (الرؤية الداخلية) نفس العدد.. وتساوى ذكر الصيف وحره, والشتاء وبرده 5 مرات.. وهذا قليل مما ورد في الإعجاز العددي.. وقد وردت الأعداد الأساسية من 1 : 10 في آيات القرآن الكريم, وأيضا العقود (10 , 20 , 30 إلى 90) والمئات والألوف, وكذلك الكسور..
إنها لغة الأرقام وأسرارها والتي أجاد المسلمون إدراكها والوعي بمدلولها, وحين بدأت الانطلاقة الفكرية بإخراج العدد من نظامه المحدود الضيق, إلى المفهوم الحسابي والجبري الواسع, منذ القرن الثاني الهجري, وربطوا علم الجبر الذي ابتكروه, بعلم الهندسة وحساب المثلثات, ووضعوا أسس المفهوم العلمي للصفر, وهو اختراع عربي ساهم في بناء الحضارة العلمية التي شهدتها البشرية.