| بيروت - من وسام أبو حرفوش|
تبدو مهمة الرئيس المكلف تشكيل الحكومة نجيب ميقاتي اشبه بـ «المغامرة» مع انكشاف المزيد من الوقائع، لا سيما الاقليمية والدولية التي تحوط الدور الذي اختار الاضطلاع به، وشبهه هو نفسه بمن يتلقف «كرة النار» حين قرر ان يكون واجهة الانقلاب السياسي ـ الدستوري، الذي اطاح بحكومة الرئيس سعد الحريري بعدما جرى «التلاعب» بمعادلة الاكثرية والاقلية في البلاد.
فبعدما دخلت مشاورات ميقاتي مع القوى السياسية الداخلية وعمليات «جس النبض» للعواصم الاقليمية والدولية حيال تشكيل حكومته العتيدة شهرها الثاني، بدأ ينحسر الكثير من الغبار عن الوقائع الملتبسة التي رافقت عملية «قلب الطاولة» في لبنان وأعقبتها في لحظة الانفجار الشعبي في اكثر من بلد عربي، الامرالذي جعل مهمة الرئيس المكلف ومستقبل حكومته ما بعد تشكيلها في وضع بالغ الحساسية.
وثمة تقارير في بيروت تتقاطع حول خلاصات تؤشر الى واقع معقد ينتظر ميقاتي وحكومته، يمكن رصد ابرز ملامحه على النحو الآتي:
* غياب اي رافعة اقليمية للحكومة العتيدة باستثناء ايران، فسورية التي تحاذر من اي «دعسة ناقصة» مع انزلاق الاوضاع في اكثر من دولة عربية الى انفجار سياسي ـ اجتماعي بمباركة من المجتمع الدولي، نأت بنفسها تماماً وعلى نحو بالغ الدلالة عن ملف تشكيل الحكومة في لبنان وكأنها تريد «نفض يدها» من اي تدخل في شؤونه يمكن ان يرتد سلباً على «استقرارها»، تاركة ميقاتي «يقلع شوكه بيده».
* الاشارة البالغة التعبير التي كان اطلقها الزعيم الدرزي وليد جنبلاط حين كشف عن اتصال تلقاه من رئيس الاستخبارات السعودية الامير مقرن ابلغه فيه قرار الملك عبدالله بن عبد العزيز قطع علاقته به احتجاجاً على تخلي جنبلاط عن تحالفه مع الحريري وترجيحه كفة وصول ميقاتي الى رئاسة الحكومة استجابة لإرادة «حزب الله»، الامر الذي حسم الجدل حول موقف المملكة من ميقاتي.
* سرعة «تبخر» فترة السماح الدولية لميقاتي حتى قبل تشكيل حكومته من خلال التشدد في محاصرته بـ «الخطوط الحمر» المرتبطة بالموقف من التزامات لبنان بالمحكمة الدولية ومكانة «حزب الله» في الحكومة وخياراتها والقاعدة التمثيلية لتلك الحكومة التي وضعت تحت «العين الحمراء» للمجتمع الدولي وعواصمه الرئيسية.
* تزامن اول وصول ميقاتي مع «شمعة على طوله» تمثلت في «اطفاء» احد المصارف اللبنانية (البنك اللبناني ـ الكندي) الذي اتخذت بحقه وزارة الخارجية الاميركية اجراءات لارتباطه بعمليات تبييض اموال لمصلحة «حزب الله»، الامر الذي تقرر معه في بيروت «بيع» هذا المصرف، على النحو الذي قد يجعل الواقع المالي اللبناني ملفاً ساخناً بين يدي ميقاتي.
* مسارعة المعارضة الجديدة (14 آذار) الى رفع سلاحها في وجه «السلطة الجديدة» من خلال قرارها بشن ما يشبه الحرب على سلاح «حزب الله» والبدء بمعركة استباقية دفاعاً عن المحكمة الدولية. وهذا يعني ان ربيعاً ساخناً في البلاد ينتظر ميقاتي، وأول الغيث فيه القرار الاتهامي في جريمة اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري.
هذه الوقائع تتجاوز في اهميتها، بحسب اوساط واسعة الاطلاع في بيروت، ما يتم التداول به من عقد وأفخاخ ومصاعب داخلية تعترض طريق ميقاتي الى تشكيل حكومته من صفوف «البيت الواحد»، اي قوى «8 آذار». فرغم واقعية مثل تلك التعقيدات، تبقى التحديات الاهم في المدار الاقليمي والدولي للحكومة العتيدة ورئيسها.
وفي موازاة ذلك، استمرت «حزورة» متى تولد الحكومة ترواح بين مواعيد متضاربة ترنّحت بين حدّيْن هما: ترجيح ألا تخرج الى النور قبل القرار الاتهامي وأقله قبل 14 مارس المقبل، موعد إحياء الذكرى السادسة لـ «انتفاضة الاستقلال» التي قررت قوى 14 آذار نقلها الى يوم الاحد (لأن 14 مارس يصادف يوم اثنين وسيكون معظم الناس في أعمالهم مع بداية الأسبوع، وقد يتعذّر حشدهم لهذا السبب) وذلك لتفادي منح قوى المعارضة الجديدة «وقوداً» يتيح لها استنهاض المزيد من قواعدها في تظاهرة «الشعب يريد إسقاط سلطة السلاح» ورفض «وصاية السلاح» والتمسك بالمحكمة الدولية. اما الحد الثاني فهو الولادة القريبة للحكومة بضغط من قوى 8 آذار لتجاوز التعقيدات المحصورة ضمن هذا الفريق باعتبار ان المزيد من التأخير سيبدّد النجاح السياسي الذي حققته الاكثرية الجديدة بإطاحة الحريري، وسيتيح للفريق الآخر ترتيب أوراقه «على البارد» والانتقال الى «الهجوم المعاكس» وفق خطة واضحة ستكون ترجمتها في الوثيقة السياسية التي سيتم إقرارها خلال اجتماع قادة 14 آذار وممثلي «الرأي العام» المدني الذي يؤيدها في البريستول الاحد المقبل او في 11 الجاري مع بت هيكلية تنظيمية جديدة تسمج لها بمواكبة المرحلة الجديدة بمرونة أكبر وبمروحة أوسع من الآليات لاستيعاب مختلف الفئات المنضوية في قوى ثورة الأرز وجعلها تشارك في صنع القرار.
وفي حين بقي الرئيس ميقاتي يُجري اتصالاته بعيداً عن الأضواء، لفتت امس زيارة زعيم «تيار المردة» النائب سليمان فرنجية للعماد ميشال عون حيث كان لقاء شارك فيه الوزير جبران باسيل (صهر عون) وكان «رابعهم» ما بات يُعرف بعقدة وزارة الداخلية ورغبة زعيم «التيار الوطني الحر» بانتزاعها من رئيس الجمهورية والحصول لوحده على الثلث زائد واحد في الحكومة.
ورُجح ان يكون فرنجية بحث مع عون في المخرج الذي علمت «الراي» انه يجري العمل على بلورته لعقدة «الداخلية» والذي يقوم على قاعدة تسوية تفضي الى المجيء بشخص يتولى هذه الحقيبة السيادية على ألا يُغضب رئيس الجمهورية وان يُرضي العماد عون. وفي حين طُرح اسم زعيم «المردة» كاحد الخيارات او أحد الضباط المتقاعدين، بات واضحاً ان آلية اختيار وزير الداخلية الجديد «المحايد» تقتضي توافق الثلاثي عليه بين سليمان وميقاتي وعون بمعنى ان يكون لكلّ منهم «حصة» فيه.
وترافق الكلام عن «طرف خيط» حلحلة في موضوع وزارة الداخلية مع تقارير عن ان العماد عون طلب الحصول على وزارة المال مكان الداخلية، وهو ما لم يتم تأكيده، وسط صعوبات كبيرة تعترض موافقة ميقاتي على مثل هذا الطرح الذي سيحرجه امام الطائفة السنية كما سفتح الباب امام اعادة النظر في مجل التوزيع الطاذفي للحقائب السيادية الاربع.
كما جاءت زيارة فرنجية لعون على وقع ما تردد عن صيغة حكومية يجري «جس نبض» أطراف 8 آذار حيالها وتقوم على توزيع حكومة ثلاثينية على قاعدة ثلاث حصص غير متساوية: الاولى لكل من رئيسيْ الجمهورية والحكومة والنائب وليد جنبلاط وموزعة كالآتي: اثنان لرئيس الجمهورية: ماروني وارثوذكسي. ستة للرئيس ميقاتي: 5 سنة وواحد ارثوذكسي. وثلاثة للنائب وليد جنبلاط: درزيان وواحد سني. والحصة الثانية لتكتل العماد عون ومؤلفة من 11 وزيراً كالآتي: 6 للعماد عون 3 موارنة + 2 كاثوليك + واحد ارثوذكسي. وزيران للنائب سليمان فرنجيه: ماروني، ووزير ارثوذكسي. وزيران للطاشناق يكون احدهما بالاتفاق مع الرئيس ميقاتي. الوزير طلال ارسلان او مروان خير الدين.
اما الحصة الثالثة فهي للرئيس نبيه بري: 3 شيعة ووزير كاثوليكي. و«حزب الله»: 3 شيعة. ويبقى الوزير الماروني السادس الذي سيتولى وزارة الداخلية ويتشارك في تسميته سليمان وعون.
وكان العماد عون شنّ بعد اجتماع كتلته البرلمانية اول من امس هجوماً عنيفاً على الرئيسين سعد الحريري وفؤاد السنيورة، معتبراً ان كلامهما بشأن تطبيق الدستور يوحي «بإصابة قوى 14 آذار بالزهايمر الجماعي». واذ نفى ان يكون حصل لقاء بينه وبين الرئيس نبيه بري والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، رأى أن لا إشكال على وزارة الداخلية «التي هي من حقي وعدم إعطائي إياها يمثّل اعتداءً عليّ»، معتبراً «أن لا شيء في الدستور ينصّ على حصّة لرئيس الجمهورية، وهل إعطاء الرئيس بعض الوزراء هو جائزة ترضية له بدلاً من صلاحيات تُمنع عنه؟».
وكان لافتاً ما نُقل عن مطلعين على أجواء قصر بعبدا أكدوا ان الرئيس سليمان متمسك بممارسة حقه الدستوري في التوقيع او عدمه على مرسوم تشكيل الحكومة، لافتين الى ان سليمان هو من أرجأ الموعد الاول للاستشارات النيابية الملزمة والتي، لو تمت في حينه، لكانت قد أفضت الى تكليف الرئيس الحريري بتأليف الحكومة «عدا عن ان خيارات رئيس الجمهورية واضحة ومحسومة حيال خيار المقاومة والعلاقة مع سورية، وبالتالي فإنه من المشروع ان تكون له حصة وازنة في حكومة الرئيس ميقاتي».
ويذكر ان الرئيس بري زار امس الرئيس سليمان معلناً بعد اللقاء «أن ليس هناك مشكلة في تأليف الحكومة، وأرى أن المشكلة قائمة في الاعلام والصحافة أكثر مما هو واقع، وهذا ليس معناه ان ليس هناك بعض الصعوبات، ولكن أعتقد أنه لا يزال هناك أمام الرئيس ميقاتي وقت لهذا الموضوع. فغيره أخذ اشهرا واشهرا لتأليف الحكومة، فلماذا تستعجلونه أكثر من اللازم؟».
سئل: هل يمكن إيجاد صيغة توافقية بما يتعلق بعقدة وزارة الداخلية؟ أجاب: «هل هذه العقدة الوحيدة في هذا الموضوع؟ الامر لا يشكل عقدا. هناك ما يسمى عقدا وزارية قابلة للحلحلة، ولا تنسوا أنه حتى الاول من أمس كان الرئيس المكلف نجيب ميقاتي يعالج على أساس أنه يريد تشكيل حكومة جامعة. وقد حرروه من هذه القضية، والآن هي مرحلة جديدة، وأعتقد أنها لن تأخذ وقتا أكثر من المرحلة السابقة لكي يتم تأليف الحكومة



Reply With Quote