الجعفري، المذهب. المذهب الجعفري ينسب إلى جعفر الصادق الإمام السادس عند الشيعة الإمامية الاثنا عشرية، وهذا المذهب هو المذهب الرسمي لحكومة إيران وشعبها. والإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر من أبرز فقهاء عصره، وهو أول مؤسس لأول مدرسة فكرية في تاريخ الدولة الإسلامية. وكان عالماً بالرواية عن النبي ³، فقد روى عنه سفيان بن عيينة، والثوري، ومالك، وأبو حنيفة وغيرهم. وكان أبوه الإمام الباقر أول من ضبط أصول الاستنباط، وأملاها على تلاميذه، ثم نهج ابنه الصادق نهجه. كما أنهما أول من تكلم في أصول الفقه الإسلامي. وقد طور كلاهما مفاهيم جديدة عن الإمام وطبيعة الإمامة بعيداً عن الغلاة من جهة وعن منافسيهما من شخصيات البيت العلوي الأخرى. فقد فرق الصادق بين الإمام الشرعي والخليفة (الحاكم السياسي) وأوضح أن ليس على الإمام الحق أن يجمع بين السلطتين: الدينية والسياسية إذا كانت الظروف لا تسمح بذلك. وبذا فقد دعا الصادق في حياته إلى الرئاسة الروحية مستنداً على مبدأ النص والتعيين والعلم السري؛ مؤكداً أن الإمام حجة الله في الأرض.

ولقد أدت شخصية الصادق دوراً مهماً في تبلور مذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية. فإنه بحنكته استطاع أن يوضح أصول هذا المذهب الذي ينتسب إليه عادة فيسمى بالمذهب الجعفري. ولابد من الإشارة هنا إلى أن فترة حياة جعفر الصادق كانت فترة تكوين المذاهب كلها، ولم تكن بداية المذهب الاثنا عشري فحسب؛ حيث لم تكن قد تبلورت فيها المذاهب بعد. لذلك لا يستطيع المؤرخ أن يرى اختلافاً واضحاً بين مذهب (الدولة) العباسية إذ ذاك، ومذهب جعفر الصادق. وإن إطلاق تسمية (أهل السنة والجماعة) أو الإمامية الاثنا عشرية على مذهبي العباسيين والشيعة الجعفرية إنما جاء في وقت متأخر. لذا لم يكن من الغريب أن يجتمع الفقهاء والعلماء وأهل الحديث والقضاة بالصادق ويسألونه في المسائل الشرعية، ويأخذون برأيه يعملون به دون أن تمنعهم الدولة العباسية. ومن أهم الشخصيات الفقهية التي اتصلت بالصادق: مالك بن أنس، وأبو حنيفة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وسفيان الثوري.


انتشار المذهب الجعفري. كان المركز الأول للفقه الإمامي المدينة المنورة وذلك إبان وجود الإمام علي بن أبي طالب فيها، وبانتقال الإمام إلى الكوفة، صارت هي المركز الثاني بعد المدينة تاريخياً والمركز الأول مرجعيّاً. وبعد ذلك عادت المركزية للمدينة المنورة مرة أخرى، عندما تعهد بنشر فقه آل البيت سبطاه الحسن والحسين، ثم من بعدهما الأئمة علي زين العابدين، والباقر، وجعفر الصادق. ثم بحكم العوامل السياسية، انتقل المركز الدراسي للفقه إلى بغداد فالنجف وقم وغيرها.

وفي إيران يعمل غالبية الشعب بتعاليم الفقه الجعفري، وهو المذهب الرسمي للدولة. وانتشر هذا المذهب كثيراً في عهد إسماعيل الصفوي في عام 907هـ، وهو العام الذي أعلن فيه أن المذهب الشيعي هو المذهب الرسمي للدولة. وأهم المدن المقدسة في إيران قم تليها مشهد، وتبريز، وأصفهان، وطهران.

وفي العراق الشيعة الذين يعملون وفق الفقه الجعفري الأغلبية أو هم دون ذلك بقليل، ويتركزون في وسط العراق وجنوبه، وأهم المدن المقدسة في العراق هي: كربلاء، والنجف الأشرف والكاظمية وسامراء. وفي سوريا انحسر المذهب عن مدينة حلب، ويوجد أتباع له كثيرون في دمشق وغيرها. كما أن العاملين بالمذهب الجعفري في لبنان كثيرون ولهم نشاط واسع في بيروت وصور وصيدا والنبطية. وفي شبه القارة الهندية يكثر أتباع هذا المذهب في لكهنو وحيدر آباد وبومباي في الهند، وفي باكستان فإنهم يكثرون في كراتشي وملتان. وتوجد لأتباع المذهب الجعفري حركة قوية تسمى حركة تطبيق الفقه الجعفري، وأميرها ساجد نقوي، ولكن الحكومة الباكستانية بقيادة الرئيس برويز مشرف أغلقت مكاتبها في يناير عام 2002م. وللمذهب الجعفري انتشار كبير في أندونيسيا وغربي أفغانستان وسط قبائل الهازارا. كما انتشر في بعض بلدان إفريقيا مثل نيجيريا والصومال والسنغال.


أهم المعتقدات وأصول الاستنباط. أشهر كتب الفقه في المذهب الجعفري هي: الكافي لأبي جعفر بن يعقوب الكليني، ومن لا يحضره الفقيه لمحمد بن بابويه الصدوق، والتهذيب لمحمد بن الحسن الطوسي، والاستبصار للطوسي. وتعد هذه الكتب الأربعة كتب فقه ورواية، وهي كذلك أصول المذهب الجعفري. كما يعد مؤلفو هذه الكتب أهم العلماء الذين وضعوا أسس المذهب الجعفري.

إن أهم اختلاف بين الشيعة والسنة يتعلق بتعيين الخليفة بعد الرسول ص، فالشيعة الاثنا عشرية يقولون بالنص، وأهل السنة يقولون بترك هذا الأمر للأمة. كما أن هناك اختلافاً بينهما في بعض أمور الاجتهاد وأدلته، وكذلك بعض قواعد الأصول وفروع العبادات، والمعاملات، والنكاح. والعمل بالقياس في الفقه الجعفري حرام. ويتفق المذهب الجعفري مع المذاهب الأربعة في أكثر المسائل المتعلقة بفروع الفقه، ومع أن هناك مسائل ينفرد بها الفقه الجعفري، إلا أنه يوجد من الصحابة أو التابعين من يتفق معه في أكثر هذه المسائل. ولهذا السبب اعترف علماء السنة والجماعة بالمذهب الجعفري مذهباً خامساً.

وأهم معتقدات الشيعة الإمامية الاثنا عشرية، التي تميزهم عن أهل السنة والجماعة: الاعتقاد بإمامة علي ـ رضي الله عنه ـ وأولاده، والاعتقاد بعصمة الأنبياء والأئمة، والتقية، والبداء، والمتعة. ويعتقد الجعفريون أن الإمامة مثل النبوة باستثناء الوحي، وتقوم على الأسس التالية (أ) الإمامة أصل من أصول الدين لا يتم الإيمان إلا بالاعتقاد بها (ب) لابد لكل عصر من إمام هادٍ؛ يخلف النبي في وظيفته في هداية البشر. (جـ) الإمام كالنبي في عصمته وصفاته وعلمه. (د) الأئمة هم أولو الأمر الذين أمر الله بطاعتهم، وهم شهداء على الناس وأبواب الله. (هـ) لا تكون الإمامة إلا بالنص من الله ـ سبحانه وتعالى ـ على رسوله أو على لسان الإمام المنصوب.
والقرآن: عند الجعفريين فيه بيان كل شيء. قال الصادق (ما من أمر يختلف فيه اثنان إلا وله أصل في كتاب الله). والسنة في هذا المذهب لها مرتبتان الأولى؛ وهي المتواترة، وهي حجة بلا خلاف، والثانية؛ خبر أما الإجماع فهو عندهم حجة؛ لأن الأمة إذا اجتمعت على قول، فهو قول الإمام ما لم يعارضه أو يرده. ولابد له من سند، وعندهم أن فرض سند الإجماع ضروري وبديهي. أما العقل عند الجعفريين فهو دليل حيث لا دليل من كتاب أو سنة، ولا إجماع يعتمد عليه، ولهم في ذلك منهجان (أ) منهاج العقل المجرد بعد الشرع (ب) التخريج على ما جاء في الكتاب والسنة والإجماع. وقسموا الأحكام التي تثبت بالعقل إلى ثلاثة أقسام: 1- ما يدركه العقل فهو واجب، أو مندوب، أو حرام، أو مكروه. 2- ما لا يدرك العقل حسنه وقبحه. 3- ما لا يتعلق الحسن والقبح بذات الموضوع. أما الاستصحاب فهو عندهم استمرار لبقاء الحكم أو وصف يقيني ثبت في الماضي، ويقسمونه إلى خمسة أقسام: (أ) استصحاب البراءة (ب) استصحاب الملك (جـ) استصحاب الحكم (د) استصحاب الحال أو الوصف أو الموضوع (هـ) استصحاب الإجماع. ويعتبر الفقه الجعفري أن الاجتهاد هو عنصر الحركة والتطور في الدين عبر الأزمان، وقد أجازوا التقليد في الفروع ومنعوه في الأصول. وقد فتحوا باب الاجتهاد لأن الأئمة نهوا عن التقليد إلا في الفروع.